آن للعرب أن ينتجوا المعرفة بدل الاكتفاء بنقد الفكر الغربي

عزمي بشارة: آن للعرب أن ينتجوا المعرفة بدل الاكتفاء بنقد الفكر الغربي
موقع : العربي الجديد
عائشة بلحاج.
لم يكن في ذهن منظمي الحوار المفتوح مع المفكر العربي عزمي بشارة الذي افتتحت به وزارة الثقافة القطرية، أمس الخميس، 1 أكتوبر/تشرين الأول، الدورة الخامسة من “موسم الندوات” في الدوحة، أنهم يجمعون، في أواخر هذه السنة، ما تفرّق خلالها، وأن الحوار سيكون أشبه بخلاصة للأحداث والقضايا التي التقى فيها سكان الدوحة وزوارها، في أكثر من مناسبة، شخصيةً تجمع اهتمامات متعددة: المفكر والباحث الأكاديمي الذي تتوالى إصداراته سنوياً، وإصدارات المركز الذي يشرف عليه؛ وصاحب مشروع معرفي افتَتح هذه السنة بوابتين جديدتين فيه: “معجم الدوحة التاريخي للغة العربية” و”الموسوعة العربية”؛ والمثقف الفلسطيني المهموم بقضيته وشعبه، في “منتدى فلسطين السنوي”.
ولعل اجتماع هذه الاهتمامات في مناسبة واحدة هو ما جعلها مختلفة. إذ سرعان ما ظهر الخيط الجامع بينها، والذي لا يتمثل فقط في الشخصية التي تتبنى رؤية استشرافية تترجمها مشاريع كبرى، بل في الصلة المعرفية والإنسانية التي تربط المثقف بواقعه؛ فينشغل بتطوير الوسط المعرفي الذي يعمل في سياقه، وبالقضايا العادلة التي تعني مجتمعه وثقافته، وبواقعه السياسي الذي يصادف أنه أحد أكثر مناطق العالم تفجّراً.
مسألة الهوية
شكّلت الهوية والدولة والمعرفة المنتجة عربياً والإشكالات البحثية والسياسية التي تثيرها، جوهر اللقاء الذي حاوره فيه الكاتب والناشر القطري جاسم سليمان. واستُهلت الجلسة باستذكار مشاركة عزمي بشارة في الموسم الأول من التظاهرة الذي ناقش خلاله قضية الهوية التي خصّص لها كتابه الأخير “مسألة الهوية” (المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، الدوحة، 2026).
جميع الهويات الوطنية شأن كل دول العالم المعاصرة حديثة النشأة
وأكد بشارة أنه “لا توجد هويات وطنية قديمة، فالدولة نفسها ظاهرة حديثة، والقومية ظاهرة حديثة”. “أما الحديث عن أربعة آلاف أو ستة آلاف سنة، فيأتي في إطار إنتاج الهوية القومية، بخلق تصورات متخيلة حولها”. وأشار إلى أن الموضوعات التي يتناولها في كتابه هذا، وفي الكتب الأخيرة، تستند إلى النقاشات القائمة في العلوم الاجتماعية في العالم، وفي الغرب خصوصاً. ومن هنا، فإن توجهه العام هو “التخلص من فكرة أن يكون عملنا طوال الوقت مجرد نقد للفكر الغربي. لأن المسألة الأهم هي: ماذا ننتج نحن من الناحية النظرية؟ هذا هو ما يوجهني”.
وأضاف بشارة أن السياق المدني والاجتماعي الذي نعيش فيه في المنطقة العربية محفّز جداً على ذلك. ورغم أن الهُوية قضية تشغل الجميع، نفتقد نحن عملاً نظرياً وفكرياً مهمّاً وكافياً حول الموضوع. ومع أن السياق العربي محفز من أكثر من جانب، فـإن “قضية الهوية ينبغي أن تُطرح على مستوى الفكر العالمي، وليس من منطلق خفض مستوى النقاش، لأنك مقتنع منذ البداية بأنك متأخر عن الغرب”. وينبغي أن ننتج فكرياً بالروح نفسها التي ينتج بها المفكرون الغربيون.
في مسألة الدولة وعلاقتها بالهوية، أشار المفكر العربي إلى خلاصة مهمة تضمّنها كتابه “الدولة العربية: بحث في المنشأ والمسار” (المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، الدوحة، 2024)، وهي أن الأمة في السياق العربي هي الأمة العربية، بينما الدولة هي دولة قُطرية، ليفنّد هنا مقولات الباحثين الغربيين حول وجود دول تتمتع بشرعية أكبر من غيرها، لأنها تستند إلى ما يسمونه “نواة إقليمية قديمة”، تقوم عليها الدولة الحالية، مثل: مصر وعُمان والمغرب وتونس. أما بقية الدول العربية فهي نتاج التقسيم الاستعماري. مشيراً إلى أنه نقاش يفتقد الرّاهنية، لأن جميع الدول العربية الآن دول قائمة على القانون، ولها شرعيتها، وهوياتها الوطنية مكتملة. والحديث المستمر عن أن الشرعية هي “أزمة الدول العربية”، نقاش ينتمي إلى مرحلة سابقة. إذ لم يعد هناك اختلاف الآن من حيث شرعية الدولة وعلاقة المواطنين بها، باستثناء بعض الحالات والعناصر المرتبطة بتركيبات قبلية أو إثنية لم تُحل، كما في اليمن وليبيا. غير ذلك، فجميع الدول العربية المستقلة تتمتع بشرعية وهويات وطنية.
ليست هناك هويات وطنية قديمة
أكد عزمي بشارة أن الحضارات التي تعود إلى بضعة آلاف سنة، لا علاقة مباشرة بينها وبين الهوية الوطنية الحديثة. فجميع الهويات الوطنية، شأن جميع دول العالم المعاصر، حديثة النشأة. مصر الفرعونية، ليست هي الدولة المصرية الحالية من حيث طبيعة الكيان السياسي. وهذا لا يمنع من الاعتزاز بهذا التاريخ، لكن طبيعة هذه الكيانات مختلفة تماماً. وأزمة الدول العربية لا تتعلق بشرعية الدولة، بل تتصل بطبيعة نظام الحكم، وهو ما لا يمكن حله بالعودة إلى التاريخ.
المسألة الأهم هي: ماذا ننتج نحن من الناحية النظرية؟
وهذا، ما أكده في كتاب “مسألة الدولة: أطروحة في الفلسفة والنظرية والسياقات” (المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، الدوحة، 2023)، حيث خلص إلى أن ما يجمع بين الحكام والمحكومين هو المواطنة. وما يميز الدولة الحديثة من غيرها، هو وجود رابطة مشتركة بين الحكام والمحكومين. ففي دولة المماليك، أو في ممالك أوروبا، لم يكن الحكام في بعض الأحيان يتحدثون حتى لغة السكان، لأن الدول القديمة لم تكن تشترط وجود رابطة مشتركة بين الحكام والمحكومين. وتبدأ هذه الرابطة بوصفها رابطة قومية، ثم تتطور إلى أمة من المواطنين.
نحو إنتاج معرفة نظرية أصيلة
وانتقل الحوار، إلى محطة ثانية، هي المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات الذي تحوّل إلى واحد من أهم مراكز البحث في المنطقة، من خلال مشاريعه البحثية ومؤتمراته ودورياته وغيرها، وهو يركّز أخيراً على مشاريع عامة موجهة إلى الجمهور. وفي استعراض موجز ومكثف، قال الدكتور عزمي بشارة “ما كنا نحتاج إليه في المرحلة الأولى هو تأسيس المركز. ولم تكن عملية سهلة. وقطر حاضرة في المشروع بوصفها الدولة المضيفة، والداعمة، ونذكر هنا الأمير تميم بطبيعة الحال”.
التحدي الأول أمام المركز العربي تمثّل في تأسيس تقليد للبحث العلمي، كما يوضّح بشارة “أردنا إنشاء مركز أبحاث بمعايير دولية حقيقية، بحيث يحظى بالاحترام”، وتابع “مرة أخرى، كان هدفنا إنتاج المعرفة باللغة العربية، على أن تُترجم إلى أي لغة، وأن تبقى معرفة علمية عالمية، لا أن تكون محصورة في العربية. ينبغي أن تكون معرفة علمية عالمية”.
استغرق هذا العمل عدة سنوات، ليصبح الآن واحداً من أهم مراكز البحث في المنطقة، وليس فقط في العالم العربي، بحسب وصف بشارة.
مشاريع ثقافية موجهة إلى الجمهور العربي
“أصبحنا أكثر جرأة.. وأقول حتى شجاعة..” يبدأ عزمي بشارة حديثه عن المشاريع الثقافية الأحدث التي أشرف عليها، بالإشارة إلى الشجاعة الضرورية للتقدم بخطوات واثقة مع مراجعة نقدية، لإنشاء مشاريع ثقافية ضخمة. فبعد سبع سنوات من تأسيس المركز، بدأنا التفكير بـ”معجم الدوحة التاريخي للغة العربية”. وهنا توجّه بشارة إلى الحاضرين: “لا توجد أخطاء ينبغي أن نُلام عليها في هذا المشروع. لم يقم أحد من قبل بإنجاز معجم تاريخي للغة العربية بهذا الحجم. إنه عمل تأسيسي. لقد ارتكبنا أخطاء، وأعدنا النظر فيها.. وهذا مهم أيضاً”.
أما “أرابيكا: الموسوعة العربية” فهي مشروع طويل الأمد، ويسدّ نقصاً في المجال. وكان ينبغي أن يبدأ قبل عشر سنوات، لأنه لا توجد حتى الآن قاعدة معرفية عربية شاملة، بسبب النقص في المشاريع العربية نتيجة الوضع العربي، كما بيّن الدكتور عزمي بشارة. معبراً عن أسفه لأن لدى البريطانيين مشاريع عمرها مئة عام، بينما لا يملك العرب شيئاً مماثلاً بالمستوى نفسه.
ولفت الانتباه أيضاً إلى أن بعض الدول العربية، خصوصاً الخليجية مثل قطر، تحاول بناء مشاريع في مجال الذكاء الاصطناعي، مقابل تقدم غربي كبير في هذا المجال، وهذا مهم من ناحية الكرامة الوطنية والإنتاج المحلي. لكن المهمة الأساسية ليست منافسة الغرب على المستوى العالمي، إذ إن الهاجس الآني الذي يخص المجتمع العربي هو أن الذكاء الاصطناعي أداة تحتاج إلى محتوى، يجب العمل على توفيره حتى يصبح لهذه الأداة أهمية، وتنجح في توسيع الأفق المعرفي للباحثين فيها.
لذا نشأت الحاجة إلى إنتاج محتوى معرفي باللغة العربية؛ معرفة منسقة تكون متاحة لاستعمالها من قِبل منصات الذكاء الاصطناعي، من دون إنكار مساهمات تقنيين عرب وعلماء عرب في إنتاج منصات ذكاء اصطناعي جديدة، أو آليات جديدة في الذكاء الاصطناعي أو الخوارزميات.
لا شيء يتحقق في غياب النزاهة الأخلاقية والعقلية
وفي نقاشه مع الحاضرين، رأى أن الامتحان يتمثّل في القدرة على التعامل مع الإنجازات الغربية بعقلانية، والمحافظة على أخلاقك وذاتك في الوقت نفسه، وتقديم معرفة نظرية مبتكرة تضيف إلى المعرفة العالمية.
وختم بشارة الحديث بتأكيد أنه انشغل على الدوام بقضايا العدالة، وقضايا الحرية والمساواة، وقضايا هويتنا العربية القومية. مشيراً إلى أن الطائفية تشكل خطراً كبيراً يتهدد المنطقة العربية، ومؤكداً أن الشرط الرئيسي للإنتاج الفكري إلى جانب الكفاءة والموهبة والاجتهاد، يكمن في أمرين: النزاهة الأخلاقية والنزاهة العقلية. متسائلاً عمّا إذا كان الإنسان يستحق اسم مفكر إذا لم يكن لديه موقف من الظلم.
ولم يخل الحوار من جانب سياسي تطرق إلى الأحداث الإقليمية الحالية، من الحرب الأميركية الإسرائيلية الإيرانية في المنطقة، إلى إمكانية ترميم علاقات دول الخليج مع إيران، التي أكد أهمية تخليها عن لبوس الدولة الأيديولوجية، من أجل تحقيقها، وحفظ الأمن الإقليمي. ومن تقييم للوضع الفلسطيني في ضوء الانتخابات الإسرائيلية، وتواصل شعبية اليمين المتطرف.





