24 ساعةأخبار وطنيةالواجهة

خطبة جمعة بعنوان : الثوابت الجامعة بين الدين والوطن ولا غالب إلا الله

بقلم عزيز الدروش

الحمد لله الواحد الأحد،
الذي أمر بالاعتصام ونهى عن الفرقة والفتنة، وجعل طاعة أولي الأمر من طاعته ما داموا قائمين على كتابه وسنة نبيه، نحمده سبحانه ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا.
وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن سيدنا محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
أما بعد، عباد الله،
يقول الله تعالى: ﴿واعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا﴾، ويقول سبحانه: ﴿والفتنة أشد من القتل﴾، ويقول جل شأنه: ﴿ولا تنازعوا فتفشلوا وتذهب ريحكم﴾.
أيها المؤمنون،
إن من نعم الله على هذا البلد الأمين، المملكة المغربية، أن جمع له بين نعمة الإسلام، ونعمة الاستقرار، ونعمة إمارة المؤمنين التي شكلت عبر القرون صمام أمان لوحدة الدين ووحدة الوطن. فدين الدولة هو الإسلام، كما ينص على ذلك دستور المملكة، وإمارة المؤمنين ليست شعاراً سياسياً عابراً، بل هي بيعة شرعية تاريخية، قامت عليها وحدة المغاربة منذ قرون.
لقد تعايش في هذا الوطن المسلمون واليهود وغيرهم في ظل احترام متبادل وأمن مشترك، وكانت المساجد منارات هدى، وكانت الزوايا مدارس أخلاق، وكان العلماء والأئمة والخطباء حراساً للهوية الوسطية المالكية الأشعرية، البعيدة عن الغلو والتطرف، وبعيدة كذلك عن الانحلال والعدمية.
عباد الله،
إن من يرفع اليوم شعارات إسقاط النظام، أو إسقاط الملكية، أو التشكيك في إمارة المؤمنين، إنما يعبث بثوابت الأمة، ويغامر بأمن البلاد، ويفتح أبواب الفتنة التي لا تبقي ولا تذر. وليس معنى ذلك أن الوطن لا يعرف أخطاء أو اختلالات، فالإصلاح واجب، والنصيحة واجبة، والمحاسبة مطلوبة، ومحاربة الفساد فريضة دينية قبل أن تكون مطلباً سياسياً. لكن الفرق كبير بين الإصلاح المسؤول، وبين الهدم الأعمى.
من يحارب المساجد، أو يستهزئ بالأئمة والخطباء، أو يطعن في ثوابت الدين، أو يسعى إلى سلخ المجتمع عن هويته الإسلامية، فهو لا يحارب أشخاصاً، بل يحارب هوية أمة وتاريخ شعب. ومن يريد أن يصطاد في الماء العاكر، مستغلاً الأزمات الاجتماعية أو الاقتصادية لإشعال نار الفوضى، فليعلم أن المغاربة أذكى من أن يُستدرجوا إلى الخراب.
أيها المسلمون،
إن الدفاع عن الثوابت لا يعني تبرير الظلم، ولا السكوت عن الفساد، ولا تزكية أي مسؤول أخطأ أو خان الأمانة. بل إن أقوى دفاع عن إمارة المؤمنين وعن استقرار الوطن، هو إقامة العدل، وصيانة المال العام، وحماية كرامة المواطن، ومحاربة الرشوة والاحتكار والنهب. لأن الظلم هو الوقود الحقيقي للفتن.
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته». فالمسؤول مسؤول، والعالم مسؤول، والسياسي مسؤول، والمواطن مسؤول. ومن خان الأمانة أو نهب المال العام أو أذل العباد، فإنه يضعف الجبهة الداخلية، ويخدم – من حيث يدري أو لا يدري – دعاة الفوضى.
عباد الله،
لسنا مع التخريب، ولسنا مع الفتنة، ولسنا مع الشعارات العدميّة التي تهدم كل شيء. نحن مع إصلاح قوي عادل، من داخل الثوابت، ومع محاسبة حقيقية لكل فاسد، ومع عدالة اجتماعية تحفظ كرامة الفقير قبل الغني. نحن مع وطن آمن مستقر، تحكمه الشريعة في مقاصدها الكبرى: حفظ الدين، والنفس، والعقل، والمال، والكرامة.
إن المغرب لم يكن يوماً أرض اقتتال طائفي، ولا ساحة صراع ديني، بل كان أرض بيعة ووحدة. ومن أراد أن يجرّه إلى مصير الدول التي مزقتها الفتن، فلن يجد من الشعب إلا الوعي والتمسك بثوابته.
أيها المؤمنون،
إن شعارنا الخالد الذي خطه أجدادنا بدمائهم هو: الله، الوطن، الملك. وليس هذا الشعار موجهاً ضد أحد، بل هو تعبير عن معادلة توازن بين الإيمان والانتماء والاستقرار.
فلنحذر من دعاة الفتنة، ولنتحصن بالعلم والحكمة، ولنطالب بالإصلاح بالوسائل السلمية المشروعة، ولنجعل من مساجدنا منابر توعية وبصيرة لا منابر تحريض وانقسام.
نسأل الله أن يحفظ المغرب من الفتن ما ظهر منها وما بطن، وأن يصلح أحوال المسلمين، وأن يهدي المسؤولين للعدل والإنصاف، وأن يرد كيد المخربين في نحورهم، وأن يجعل هذا البلد آمناً مطمئناً سخاءً رخاءً وسائر بلاد المسلمين.
أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم، فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.
ولا غالب إلا الله.

عزيز الدروش

عبد السلام حكار

عبد السلام حكار مدير الموقع وصحفي منذ 1998 عضو مؤسس بالتنسيقية الوطنية للصحافة والإعلام الإلكتروني

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى