لا يوجد فصل ميكانيكي بين “التدين” الرسمي والشعبي

منقول عن جريدة العلم
في حوار مع الباحث الأنثروبولوجي حسن رشيق لجريدة العلم:
انتقلنا من “دولة المخزن” التقليدية، إلى الدولة الحديثة المعاصرة، حيث يستثمر الرمزي والقسري لتثبيت شرعية السلطة
لا يوجد فصل ميكانيكي بين “التدين” الرسمي والشعبي
لا تحديد ثابت أو مغلق ل”الشخصية المغربية” خارج الإطار الزمني، فالهوية تفاعلية تتشكل في سياق التلاقي مع “الآخر”
الثقافة الرقمية مشتتة وغير نسقية، ما يقال فيها اليوم قد لا يقال غدا. وهذا نمط معرفي جديد تجب دراسته
=====
حاوره عبد العزيز كوكاس
يضع عالم الأنثروبولوجيا حسن رشيق المجتمع المغربي تحت مجهر التفاصيل التي تبدو مألوفة، لكنها تخفي أنساقًا عميقة من المعاني والدلالات. في هذا الحوار، يكشف كيف تتحول الألفة إلى عائق معرفي، وكيف يستطيع الباحث أن يجعل منها موردًا لفهم الذات المغربية. ويتوقف عند تحولات القبيلة والقرية، وانتقال المجتمع من سلطة الجماعة التقليدية إلى أدوار جديدة يتقاسمها الشيوخ والشباب والجمعيات. كما يقرأ الهوية بوصفها بناءً تفاعليًا متحركًا، يتشكل في المعيش اليومي وفي اللقاء المستمر مع الآخر.
ويعيد النظر في الفصل المألوف بين الدين الرسمي والتدين الشعبي، مؤكدًا أن التفاصيل الميدانية تكشف تداخلهما العميق. ويقارب خطاب «الاستثناء المغربي» بحذر علمي، معتبرًا إياه بناءً هوياتيًا تختبره الوقائع والتحولات التاريخية.
إنه حوار يعبر من الطقس والقبيلة والقرية إلى الدولة والهوية والثقافة الرقمية، بحثًا عن مغرب متحول لا تسعفه التعريفات الجاهزة.
انطلاقا من دراسة المجتمعات التقليدية أو “الآخر” البعيد، كيف جعلتم الأنثروبولوجيا أداة لفهم الذات المغربية؟ ومتى أدركتم أن أقرب الأشياء إلينا هي الأكثر استعصاء على الفهم؟ وما هو الإحساس الأولي لديكم وأنتم تبحثون في ما يبدو قريبا ونتعايش معه يوميا في لغتنا، وأشيائنا، واستعمالاتنا، وأمثلتنا، لتكشفوا أثناء الدراسة وجود كنز خفي من المعرفة يدل على وعينا ولاوعينا الجماعي والفردي؟
يتضمن هذا السؤال وجهين رئيسيين، الأول يرتبط ببعد المسافة، إذ نشأت الأنثروبولوجيا تاريخياعلى أرضية التباعد الثقافي، حيث يتجه الباحث لدراسة جماعات أخرى تبعد عنه آلاف الكيلومترات. وحتى في الأنثروبولوجيا الأمريكية التي اشتغلت على الهنود الحمر، ورغم قرب المساحة الجغرافية، إلا أنها كانت تدرس ثقافة أخرى ولغة وطقوسا مختلفة. هكذا نشأت الأنثروبولوجيا في سياق التطورات الإمبريالية والاستعمارية، حين بدأت الدول المتقدمة تكتشف مجتمعات أخرى بغرض إدارتها، بعد أن كانت في بداياتها مجرد رحلات استكشافية للفهم.
وقد تطور هذا العلم بشكل كبير في بريطانيا وفرنسا من خلال الاحتكاك بثقافات متعددة. ورغم أن السؤال عن براءة الأنثروبولوجيا قد يطرح لاحقا، إلا أن الأساس يكمن في الاستعمالات، فالاستعمال قد يكون استعماريا، أو رمزيا، أو وطنيا وقوميا، أو إسلاميا، أو أمازيغيا. أما أكاديميا، فالمرجو هو توخي الحياد العلمي والقيمي.
أما الوجه الثاني فيتعلق بمفهوم “الألفة”. ولقد أفردت محاضرة تنصيبي بالأكاديمية لموضوع “الألفة والتباعد الأنثروبولوجي”. وتكمن صعوبة دراسة ما هو أليف في كون الباحث ابن هذه الثقافة (مغربي، مسلم، أمازيغي، حضري…)، فمقارنة بالباحث الأجنبي، لا يحتاج ابن الدار لتعلم الكلمات البسيطة كالخبز أو البيت، بل يتوجب عليه التخلص من الأفكار المسبقة وتحويلها من عائق إلى مورد علمي كامن.
ولاستحضار مثال على ذلك: اشتغل الباحث الأمريكي لورنس روزن على مدينة صفرو في إطار الأنثروبولوجيا القانونية، ووصل إلى استنتاج مفاده أن المغاربة لم تكن لديهم كلمة تفيد معنى المجاني (Gratuité) حتى استعاروا الكلمة الإسبانية “فابور”. لا يمكن للمغاربة أن ينتظروا وصول الإسبان ليعبروا عن هذا المعنى في معاملاتهم اليومية بالأسواق. وبناء على معرفتي المشتركة والاجترار الثقافي المفرط ، نجد أن منطقة الشمال والشرق تستعمل كلمة “باطل” للتعبير عن هذا المعنى (نخدم معاك باطل)، غير أن الباحث ركز على الشق الميتافيزيقي والقانوني لكلمة “باطل” وتغافل عن بعدها المستعمل سوقيا.
من جهة أخرى، يكمن العائق في الاعتقاد المفرط بالإحاطة والشمول، أي عندما يظن الباحث أنه يعلم كل شيء لمجرد انتمائه للمجتمع. وقد واجهت هذا في جولاتي الميدانية عندما كان يرافقني زملاء غير أنثروبولوجيين يحاولون الإجابة نيابة عن الفلاحين أو الكسّابين، بينما كنت أصر على الاستماع للفاعل المحلي بمفرداته وأمثلته الخاصة. ومثال ذلك ما وقع لي سنة 1983 بالأطلس المتوسط مع أحد الرعاة، حيث كان يطلق لفظ “صاحبي” على من يستأجره للرعي، وهي كلمة تستعمل هنا لنوع من التلطيف بدلا من مصطلحات مثل “المعلم” أو “الرب”. فلو اعتمدت الفهم البسيط للكلمة لما أدركت دلالتها السياقية.
إن الثقافة غنية بتنوعاتها ومرادفاتها، والباحث الميداني لا يمكنه استيعاب كل شيء أو حصر ثقافة مجتمع ما داخل دفتي كتاب أو فيلم، وهو ما أدركته أيضا حين ألفت كتابا عن والديّ، إذ تظل هناك دائما تفاصيل منفلتة يفرضها التواضع العلمي والواقع الميداني.
هل ما زالت المفاهيم الكلاسيكية التي أنتجتها الأنثروبولوجيا الاستعمارية (كالطقس، القرابة، والقبيلة) صالحة لفهم المغرب اليوم، ونحن نعيش تحولات سريعة يتغير فيها الزمن والمفاهيم بنحو أسرع بكثير مما كان عليه الحال في الستينيات والسبعينيات؟
بالتأكيد، هناك سيرورة ودينامية مستمرة تشكل مبدأً أساسيا في العلوم الاجتماعية اليوم. فالأنثروبولوجي القديم كان يميل إلى تثبيت الثقافة وتأطيرها بشكل مغلق قبل العودة إلى بلده. أما اليوم، فنحن أمام نهر جارف من التحولات يلزمنا بتتبع سياقاتها، وأبرز مثال على ذلك مفهوم “القبيلة”.
فالقبيلة في المغرب اليوم ليست هي قبيلة القرن التاسع عشر. وقديما، قبل نزع السلاح وإقرار ما سمي بـ”التهدئة” الاستعمارية، كانت القبيلة مؤسسة حربية وسياسية. لكن مع فرض الاستتباب الأمني، تراجعت الوظيفة الحربية للكتل القبائلية الكبرى (مثل آيت عطا، ودكالة….). وبزوال الوظيفة الأساسية الأولى، جرى تعرية السقف القبلي الكبير، لتبرز بدلاعنه الجماعات الأكثر إجرائية ووظيفية، وهي التجمعات التي تنتظم حول مصالح ملموسة كالساقية، والمراعي الجماعية، والمسجد. فالمناطق التي تغيب فيها هذه المصالح المشتركة ينعدم فيها وجود الجماعة القبائلية، إلا من بعض أشكال التجميع الرمزي حول أولياء صالحين.
فمفهوم “تاقبيلت” في الأطلس الكبير مثلا لا يتعدى ثلاثة دواوير. ومع بداية التسعينيات، برز تحول جديد تمثل في انتقال فريد من “الجْماعة” (المؤسسة التقليدية) إلى “الجمعية” المدنية، للتدبير الجماعي للماء الشروب، والكهرباء، والتمدرس. وبالتالي فالقبيلة لم تختف بنسبة 100% كما أنها لم تبق بصيغتها القديمة كليا، بل شهدت تحولات وتنويعات تتناسب مع روح العصر.
كيف يمكن فهم التحولات الهوياتية من خلال رمزية الأشياء البسيطة في البيت كـ”الصابون البلدي” و”الصالون المغربي”؟ وما هي حدود التفاعل بين الهوية كخطاب إيديولوجي صريح وبين ممارساتها الضمنية في المعيش اليومي واللباس؟
إن الحديث عن “الصابون البلدي” أو “الصالون البلدي” أو الانتماء للقبيلة والدوار يتعلق برموز ضمنية معيشة في الحياة اليومية، بخلاف الخطابات الصريحة. فاللباس أو المعيش اليومي ليس خطابا إيديولوجيا صريحا يحدد الهوية بشكل قطعي، لكنه ممارسة معيشة تقرأ ضمنيا.
ففي مرحلة الاستعمار مثلا، عندما بدأ الشباب يتساءلون عن “الوطنية” و”الشخصية المغربية” وقد كتب أبو بكر القادري صراحة أنهم لم يكونوا يستعملون كلمة “الهوية” بلفظها، رغم أن المفهوم كان حاضرا على الصعيد العاطفي و الفعلي (مقاطعة السلع الفرنسية). هناك رمزية هوياتية تظهر بصفة غير صريحة لكنها نافذة. وفي المقابل، هناك خطابات إيديولوجية حول الهوية يقودها المثقفون والسياسيون عبر النصوص المكتوبة والشفهية.
بالنسبة ل”الشخصية المغربية”، لا يوجد تحديد ثابت أو مغلق للهوية خارج الإطار الزمني، فالهوية ليست معطى جامدا بل هي استعمالات متحولة بامتياز. وقد تحدث بعض المفكرين والسياسيين عن الشخصية المغربية في أدبياتهم، مثل علال الفاسي، والحسن الوزاني، وأبو بكر القادري، وسعيد حجي. وفي كتابي “ترميز الأمة”، ركزت على كيفية توظيف السياسيين للرموز، وتتجلى هذه الدينامية بوضوح في إحداث “عيد العرش” كأول عيد قومي وطني، إذ كانت الأعياد السابقة ذات طابع قبلي أو ديني، في حين جاء عيد العرش ليتيح فرصة الاحتفال للانتماء الجامع كـ”مغاربة”.
إن الهوية تفاعلية ولا تتشكل إلا في سياق التلاقي مع “الآخر” (قبيلة مع قبيلة، زاوية مع أخرى…)، إذ طالما كان الآخر غير موجود، فالأشياء لا تسمى، والتحدي النفسي والجماعي لا يتبلور.
ويتجلى هذا البعد الضمني بوضوح في اللباس، ولا سيما عند النساء، إذ يلاحظ وجود إحداثيات وضوابط صارمة غير مكتوبة. فعلى سبيل المثال، يندر حتى الآن على المرأة المشاركة في مناسبة طقوسية كـ”العزاء” بلباس “رومي”، لأن الأعراف تقتضي ارتداء اللباس التقليدي للتعبير عن الحزن، والحياد عن ذلك يعد خروجا عن الحالة الاستثنائية للطقس. ورغم أن هذه الممارسات قابلة للتغير مستقبلا وليست ثابتة مطلقا، إلا أنها تظل استعمالات رمزية طاغية تقرأ ضمنيا وتؤكد أن الهوية تتشكل عبر التفاصيل والمعيش اليومي.
اشتغلتم على الطقوس الدينية باعتبارها أنظمة دلالية معقدة، إلى أي حد يمكن فهم التدين المغربي خاصة في الهوامش البعيدة التي لم تشملها الحضارة الكاسحة بالسرعة ذاتها خارج ثنائية الإيمان والخرافة؟
بداية، يصعب من الناحية الأكاديمية إطلاق مصطلح شمولي مثل التدين المغربي أو الإسلام المغربي، وهو المصطلح الذي أفرد له الباحث كليفورد غيرتز كتابا كاملا، (حول كتاب غيرتز، “الإسلام ملاحظا”، وانتقادي لمقتربه، راجع حسن رشيق “القريب والبعيد، قرن من الأنثروبولوجيا بالمغرب”، ترجمة حسن الطالب، المركز الثقافي المغربي، الدار البيضاء، بيروت، ،2018، ص. 292ـ302. ) ، لأن هذه التعميمات قد تسقطنا في المبالغة. فالبحث الأنثروبولوجي حين يتناول التدين، غالبا ما يتجه مباشرة للمظاهر الغريبة أو المباشرة (زيارة الأولياء، المواسم، الزوايا، الحضرة…). لكنني أفضل الاشتغال على الممارسات البسيطة والعادية خارج هذه الثنائيات، وقد تجلى ذلك في دراستي لطقس “المعروف” الذي يُنظم في العديد من المناطق بأسماء مختلفة.. عند حلول جفاف أو بلاء، حيث يساهم الجميع بالمال والدقيق والزيت لإعداد طعام يُؤكل جماعياً في فضاء محدد يفصل بين الرجال والنساء.
وحين أعددت أطروحة الدكتوراه حول الطقوس في الأطلس المتوسط، تتبعت التفاصيل الدقيقة لإعداد “المعروف” وما يرتبط به من ضوابط،، منها أخذ حشة من الدقيق والماء الساخن والمرق قبل النضج، واستعمال اليد اليمنى حصرا، وتناول الطعام أحيانا على الصخر مباشرة أو قياما.
وهنا يظهر التقاطع بين ما هو “طبيعي” وما هو “ثقافي” في نقل الثقافة شفهيا في غياب الكتابة. تشير الأطعمة النيئة، الخالية من النكهة، التي لا تحتوي على ملح أو توابل، واليد اليسرى، وحظر الكلام، إلى الطبيعي، في حين يشير المطبوخ، والمملح، واليد اليمنى، والكلام، إلى الثقافى. هكذا، تأول الطقوس ورموزها كتعبيرات عن المجتمع، العائلة، الجماعة، والعالم، الطبيعي، الجن.
اعتاد التحليل عند تناول الدين والممارسات الدينية عمليا لدى المغاربة الاستناد إلى ثنائية الدين الرسمي والدين الشعبي. هل ما تزال لهذين المفهومين كفاءتهما المنهجية والعلمية لتحديد الطقوس والممارسات الدينية وتقسيمها بين ما هو رسمي وما هو شعبي؟
فيما يتعلق بهذه المفاهيم واستعمالاتها، يمكننا القول إن هناك خطابا رسميا حول الدين، وحول الإسلام والتدين، وحتى حول ما يسمى بالتدين الشعبي، إذ إن الهدايا والصلات التي كان يرسلها السلاطين إلى الزوايا أمر معروف تاريخيا، كما أن موقف السلطة في عهد المولى سليمان من بعض الممارسات التي وصفت بالوهابية أو غيرها يندرج في هذا السياق.
لقد شهد المغرب شأنه شأن العديد من دول العالم الإسلامي صراعا وتجاذبا تاريخيا مستمرا منذ عهد الموحدين بين ما تقره السلطة وما يصنف في مقابل ذلك كـ”بدعة” أو “شعوذة”. وهذا الخطاب الرسمي، ورغم أنني لم أشتغل عليه مكثفا، قد تقوى بشكل واضح منذ سنة 2002 مع وزارة أحمد التوفيق عبر تنقيح أدبيات الإسلام المغربي ومكوناته وتأطير التصوف، حيث تميز الأدبيات الرسمية بين تصوف سني وتصوف آخر.
غير أن هذه الاستعمالات والمفاهيم ليست حصرية، ولا توجد لائحة مغلقة محددة لما يسمى بـ”الدين الرسمي”، بل هناك استعمالات متعددة وتداخل كثيف ومعقد بين ما هو شعبي وما هو رسمي، وتكفي الإشارة إلى أن أول زيارة قام بها الملك محمد السادس كانت لضريح مولاي ادريس زرهون و هي ليست طقسا مستحدثا.
مما يوضح هذا التداخل. أما مفهوم “الشعبي”، فأنا أتحفظ عليه لما يحمله أحيانا من نبرة استعلاء وتبخيس، وكأن هذه الممارسات الشعبية بلا قيمة، في حين أنها هي التي حافَظت على تماسك المجتمع ولحمته واستمراريته عبر الأجيال في مختلف المناطق وصولا إلى الصحراء، من خلال طقوس المعيش اليومي.
وحين نتأمل أدبيات الإيديولوجيا الوطنية والقومية وعلاقتها بالزوايا والتصوف، نجد أن الوطنيين في شمال المغرب لم ينتقدو ا التصوف. ولذلك، أُفضل اعتماد الثنائيات والمفاهيم التي يستخدمها الفاعلون أنفسهم في الميدان، فإذا كان الفاعلون يستعملون هذا التعارض فإنني أقبل به وأحلله لفهم الحدود والتداخلات.
إن الفصل الحاد بين “الدين” الرسمي والشعبي يوجد غالبا لدى من يهمش التفاصيل ووجهة نظر الفاعلين.
في ظل السياق الثقافي والحماسي الراهن الذي يتجه نحو تشكيل وطنية جديدة بمقومات جديدة تعيد تدوير الموروث القديم، يتكرر الحديث عن “الاستثناء المغربي”. كيف يفهم مفهوم “الاستثناء” أنثروبولوجيا في علاقته ب”الغيرية”؟
أحاول دائما مقاربة المفاهيم التي يتداولها الفاعلون من خلال مواجهتها بمفاهيم علمية دقيقة مثل “الغيرية” (L’altérité)، إذ أرى أن مفهوم “الاستثناء” ينطوي على قدر من المبالغة الناتجة عن الافتخار الهوياتي.
وحين نختبر “الاستثناء” عبر مفهوم “الغيرية” تتضح لنا هشاشته، فالخطاب الذي كان سائدا قبل أحداث 16 ماي 2003 مثلا كان يركز على استثناء التدين المغربي والمنفتح، غير أن هذا الحدث الفارق أظهر هشاشة بعض التصورات الهوياتية عندما تبنى على عنصر أو عنصرين فقط.
وهذا يحيلنا إلى مفهوم الإيديولوجيا دون أي تبخيس، فالإيديولوجيا هي منظومة من الأفكار والمفاهيم والقيم الضرورية للفعل السياسي، ولا يمكن ممارسة العمل السياسي بدونها. وعندما ننتقل إلى الإيديولوجيا الهوياتية، نلاحظ أننا انتقلنا من إيديولوجيا معقدة وصريحة صاغها رواد الوطنية والمفكرون الكبار (أمثال عبد الله العروي في أطروحة الوطنية، ومحمد عابد الجابري في العروبة، وعبد الكبير الخطيبي) الذين كتبوا مؤلفات ومقالات مطولة تؤسس لـ “الاستثناء”، إلى شذرات تتشكل عبر الثقافة الرقمية والإعلام.
إن الثقافة الرقمية اليوم هي ثقافة مشتتة وغير نسقية، ما يقال فيها اليوم قد لا يقال غدا. وهذا ليس عيبا بل هو نمط معرفي جديد يجب أخذه بعين الاعتبار ودراسته بوصفه قريباً من المعرفة المشتركة والنسق الإيديولوجي الجديد.
من الناحية الأنثروبولوجية، تحدد الذات نفسها دائما انطلاقا من المغايرة والتمايز عن الآخر. فالاستثناء ليس معطى موجها وثابتا بل هو بناء يتم تشكيله تلقائيا وإعلاميا. ويتجلى ذلك في صعود مفهوم “تمغربيت” الذي كان المفكر محمد شفيق أول من استعمله في كتاباته، قبل أن يُتداول بكثرة في الثقافة الرقمية الراهنة بصورة مشتتة تعكس طبيعة المعرفة المعاصرة.
كيف تشتغل الدولة في المغرب عبر البعد الرمزي واللامرئي أكثر من اشتغالها عبر البعد القسري المباشر لتثبيت سلطتها الجغرافية وضمان وحدة الأمة والقبائل برغم الاختلافات؟
لا أرى أن هناك تعارضا حتميا بين ما هو قسري وما هو رمزي، بل إن الفعل القسري والسلطوي نفسه قد يتخذ أبعادا ورموزا متعددة. وسؤالك يتقاطع مع المادة التي أقدمها في المحاضرات الجامعية حول التفاعل بين العرف الأمازيغي والشرع، وكيفية انسجامهما قبل أن يتشكل المجال القانوني الوطني الشامل مع استقلال البلاد.
وهذا ما يفسر الانتقال التاريخي للبيروقراطية والقياد، حيث انتقلنا من مفهوم “دولة المخزن” التقليدية، إلى الدولة الحديثة في ظل الاستعمار، ثم إلى الدولة الحديثة المعاصرة، حيث يستثمر الرمزي إلى جانب القسري لتثبيت شرعية السلطة المركزية واستمرارها.
كيف تقرؤون التحولات الكبرى التي شهدتها القرية المغربية؟ وهل ما زال الجوهر والعدسة الرمزية وقيم طرائق العيش قائمة في القرى اليوم أمام زحف العولمة والتوسع الحضري؟
هناك تحولات عميقة وكثيرة جدا أصابت القرية المغربية. وفي المعجم العلمي الذي أشرفت عليه (Le Maroc: Études sociologiques et anthropologiques)، خصصت مقالا مكثفا عن التغير الاجتماعي (Le changement social)، يحيل على مقالات متعددة تناولت الحداثة، ومؤسسة القايد، وظواهر قروية أخرى.
هناك تحولات كانت ثقيلة وتدريجية منذ فترة الاستعمار، وهناك طفرات أدت إلى اندثار مؤسسات بعينها بين عشية وضحاها. ومثال ذلك نظام “الزطاطة”، فعندما لم تكن هناك أجهزة أمنية حديثة كـ”الدرك الملكي” أو الشرطة لحماية المسافرين، كان خفر الطرق والتأمين يتم عبر “الزطاط” (فتنتقل مثلا مع زطاط من قبيلة زمور لزطاط آخر من قبيلة زيان). ومع استتباب الأمن الحديث انطلاقا من سنة 1934 /1935.
أما السيرورات العميقة والطويلة، فتظهر في تغير العلاقة بين الفرد والجماعة. ومثالي المفضل هنا هو طقس “التويزة”، وهو العرف القائم على التضامن الجماعي لأهالي القرية لمساعدة فرد في بناء بيته أو حصاد زرعه دون مقابل مادي. وحين أجريت أبحاثا ميدانية في الأطلس الكبير خلال الثمانينيات وسألت الشباب عن “التويزة”، وجدتم يرفضون المفهوم ويقولون: “هل نشتغل مجانا وبلا أجر؟”.
هل تحول المجتمع المغربي بالفعل من مجتمع “الجماعة” إلى مجتمع “الفرد”، أم أن هذا الانتقال مقتصر على الحواضر الكبرى بينما تظل للجماعة في القرى سلطتها القوية؟ وما هي خصائص تلاشي الفروق بين المجالين القروي والحضري؟
نحن نشهد اليوم نوعا من “تلاشي الفروق” بين القرية والمدينة لعدة أسباب، في مقدمتها عودة الشباب المتعلم وحملة الشهادات (البكالوريا والإجازة) إلى قراهم، وانخراطهم في أشكال المجتمع المدني والجمعيات. هؤلاء الشباب أضحوا يشكلون جسرا بين الثقافتين، فلا يمكنك تصنيفهم كقرويين خالصين ولا كحضريين كليا.
وقد تناولت في التسعينيات هذا التحول في مفهوم “الزعامة القروية” برحيل نموذج “الفلاح المدافع عن العرش” التقليدي. وفي دراسة ميدانية أجريناها بداية الألفية في ثماني مناطق قروية، برز الصراع جليا بين الشيوخ التقليديين والشباب المتعلم.
واليوم، كما أوضحت في مقالي حول “الجْماعة والجمعية”، حدث نوع من التقارب وتقسيم العمل داخل القرية، فالشباب عبر الجمعيات يمتلكون المعرفة التقنية، وإدارة المحاسبة، وصياغة المشاريع لجلب التمويل، بينما يمتلك الشيوخ الخبرة في القوانين العرفية للري والغابة. ورغم وقوع نزاعات أحيانا وتغليب طرف على آخر، إلا أن القيادة والزعامة القروية تحولت في عمقها، إذ حين يأتي أي مشروع تنموي، يتم إحضار كبار السن احتراما لرمزيتهم فقط، بينما تدار الرهانات والمفاوضات بمفردات ومفاهيم حديثة يتقنها الشباب، وهو ما لاحظته بشكل ملموس حين عدت للميدان في في إمليل، الأطلس الكبير.






