“إستعادة الدين الى الفضاء العمومي في مجتمعات مابعد العلمانية”

صدر حديثاً: هابرماس والدين “إستعادة الدين الى الفضاء العمومي في مجتمعات مابعد العلمانية”
تأليف: ميشيل ديلون
ترجمة: د. نوفل الحاج لطيف
الناشر: دار أبكالو 2026
تمثل العلاقة بين الدين والحداثة واحدة من أكثر الإشكاليات تعقيداً في الفكر الفلسفي والاجتماعي والسياسي المعاصر، ذلك أن الحداثة الغربية، منذ تشكلها النظري مع عصر التنوير، قامت إلى حد بعيد على فرضية مركزية مفادها أن التقدم العقلاني والعلمي والمؤسساتي سيؤدي تدريجياً إلى انحسار الدين وتراجع سلطته الرمزية والمعيارية داخل الفضاء العمومي. وقد ارتبط هذا التصور بما عُرف لاحقاً بأطروحة العلمنة التي رأت أن المجتمعات الحديثة، كلما ازدادت عقلنةً وتمييزاً مؤسساتياً، اتجهت بصورة تلقائية نحو تحويل الدين إلى شأن خاص محصور في الضمير الفردي والممارسات الطقسية المحدودة، بعد أن كان يشكل البنية التفسيرية والأخلاقية الكلية للحياة الاجتماعية والسياسية. غير أن التحولات الكبرى التي شهدها العالم منذ العقود الأخيرة من القرن العشرين، سواء على مستوى عودة الدين إلى الفضاء العمومي، أو صعود الهويات الدينية، أو فشل كثير من المشاريع الحداثية في تحقيق وعودها التحررية، دفعت عدداً من المفكرين إلى إعادة النظر في المسلمات الفلسفية التي حكمت التصور الكلاسيكي للعلاقة بين العقل والدين، وبين العلماني والمقدس، وبين الحداثة والإيمان.
وفي هذا السياق برز مفهوم «ما بعد العلمانية» بوصفه محاولة نظرية لإعادة التفكير في موقع الدين داخل المجتمعات الحديثة، عبر مساءلة الحدود الصارمة التي أقامها الفكر التنويري بين العقل الديني والعقل العلماني.
ويُعد هابرماس Jürgen Habermas من أبرز المفكرين الذين أسهموا في بلورة هذا التحول المفهومي، ولا سيما بعد انتقاله التدريجي من موقف شديد التحفظ تجاه الدين إلى موقف أكثر انفتاحاً يعترف بالإمكانات الأخلاقية والثقافية الكامنة في الخطاب الديني داخل الفضاء العمومي. فقد كان هابرماس، في مرحلته المبكرة، ينظر إلى العقلانية التواصلية بوصفها الأفق الوحيد الممكن لتحرير المجتمع من أشكال الهيمنة والقهر التي تنتجها العقلانية الأداتية والرأسمالية المتأخرة، وكان يرى أن الدين، بسبب طابعه الإيماني والرمزي وغير القابل للتحقق العقلاني الكامل، عاجز عن الاندماج الحقيقي داخل شروط الفعل التواصلي التداولي. غير أن التحولات الاجتماعية والثقافية والسياسية اللاحقة، وما كشفته من أزمات الحداثة الغربية، دفعته إلى إعادة تقييم الدور الذي يمكن أن يؤديه الدين في إعادة بناء التضامن الأخلاقي داخل المجتمعات الحديثة.
إن الأهمية الفلسفية لمفهوم «ما بعد العلمانية» لا تكمن فقط في كونه مراجعة جزئية لأطروحة العلمنة، بل في كونه يعكس أزمة أعمق تتعلق بمصير المشروع التنويري نفسه. فهابرماس، الذي ظل لعقود أحد أبرز المدافعين عن العقلانية التواصلية وعن مشروع الحداثة غير المكتمل، وجد نفسه مضطراً إلى الاعتراف بأن الحداثة لم تفلح في إنتاج إجماع أخلاقي كافٍ يواجه التفكك الاجتماعي واللامساواة والاغتراب والعدمية السياسية والثقافية التي أفرزتها الرأسمالية المعولمة. ومن هنا بدأ الدين يظهر، بوصفه خزاناً رمزياً وأخلاقياً يمكن أن يمد الفضاء العمومي بموارد معيارية تساعد على مقاومة تآكل المعنى وانهيار الروابط الجمعية. وهكذا لم يعد السؤال يدور حول إمكان بقاء الدين أو زواله، إنما حول الكيفية التي يمكن بها للعقلانية الحديثة أن تدخل في علاقة حوارية مع الدين من دون أن تتخلى عن شروطها النقدية.
يصدر هذا الكتاب ضمن سلسلة أبكالو التي تحمل عنوان الفلاسفة والدين، سبق وأن صدر عن الدار من هذه السلسلة كتاب نيتشة والدين، وكتاب كانط والدين، وهذا هو العمل الثالث من السلسلة يحمل عنوان هابرماس والدين.




