الواجهةثقافة وفنون ومؤلفات

التصوف المغربي ..من تصوف الجنيد إلى تصوف الدجل

بقلم: الدكتور عبد الله الجباري 

التصوف المغربي
من تصوف الجنيد إلى تصوف الدجل
تصوف الكبيطي أنموذجا.
=====
للتصوف مكانة متميزة في الثقافة المغربية وفي التدين المغربي، وقد ظهر التصوف في المغرب في فترة مبكرة من التاريخ، وعرفنا أعلاما كبارا في هذا المجال العرفاني والسلوكي، وكلهم كانوا يلتقون بالإمام الجنيد في معارفهم وأسانيدهم، حتى صارت عبارة “التصوف الجنيدي” أو “تصوف الجنيد” من العبارات المتداولة في الأدبيات المغربية.
والجنيد ليس شيخ التصوف وإمامه الوحيد، وليس الشيخ المؤسس، ولكنه رمز لهذا الاتجاه التزكوي يمثل عصارة تجارب الآخرين، وإلا فالمنهج الجنيدي هو نفسه منهج الداراني والسري السقطي والتستري وغيرهم من الوارثين لمنهج الحسن البصري وأضرابه من التابعين ولشيوخهم العرفانيين من الصحابة الربانيين.
وقد ورث منهج الجنيد كثيرون، كلهم ينتسب إليه ويقتدي به ويؤثث أدبياته بأقواله التأصيلية المنسوبة إليه والواردة في مصنفات القوم، لذلك نجد الجنيد في أدبيات مولاي عبد القادر الجيلاني وأبي طالب المكي وأبي حامد الغزالي ومن جاء بعدهم ومنهم المغاربة كعبد الجليل القصري ومحي الدين بن العربي وأبي القاسم اللجائي وغالب رجال التشوف لابن الزيات ومن بعدهم.
والجنيد ومَن قبله ومن بعده من رجال التصوف الإسلامي الأصيل كلهم يؤسسون منهجهم على الكتاب والسنة، ويتمسكون بالكتاب والسنة، ولا يحيدون عن الكتاب والسنة، لذلك صانوا أنفسهم عن الدجل، وصانوا أتباعهم ومريديهم عن ذلك، فخلف من بعدهم خلف، التحقوا بالتصوف وتسموا بالتصوف وتزيوا بالتصوف وهم على التصوف دخلاء، وأثروا على العامة بكثير من الحيل والشعبذة، فكونوا أتباعا وطوائف ضالة، التصقوا بالتصوف فأساؤوا إليه، إذ كثير من تصرفاتهم وأقوالهم نسبت إلى التصوف والتصوف منهم براء.
وقد عرف عصرنا ومصرنا كثيرا من شيوخ الضلال والإضلال الذين تزيوا بزي الصوفية وتكلموا بمعجم الصوفية وانتسبوا إلى الصوفية وهم إلى الدجل أقرب، بل هم الدجالون حقيقة، ومنهم بفاس المتمشيخ عزيز الكبيطي.
التعريف بالمتمشيخ عزيز الكبيطي:
هذا المتمشيخ من مواليد 1976 بتاونات، حاصل على دكتوراه في الفكر الإسلامي، وله دبلوم في الأدب العربي، ثم صار رئيسا لمركز أسسه بفاس حول التصوف، إضافة إلى أنشطة للعلاج بالطاقة الروحية، له أكثر من 30 مؤلفا كلها تدور حول الشيخ والإذن والسر والإحسان والكشف والمقامات وغير ذلك من المعجم الصوفي، وله فيها تضخم كبير في فكرة “الشيخ” و”الشيخ المأذون” الموصل إلى الله والموصل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو الذي يسميه بـ”الشيخ المحمدي”، وأن هذا الشيخ يلتقي برسول الله صلى الله عليه وسلم وأنه يبارك كتبه ويختمها، وأنه الشيخ المحمدي الذي يبعث مرة كل 300 سنة، ولأتباعه فيه اعتقادات لا زمام لها ولا خطام.
التعليق على عناصر التعريف بالمتمشيخ الكبيطي:
ولنا على ترجمته المختصرة تعليقات هي رؤوس أقلام:
أولها: الرجل من مواليد 1976، وعمره الآن 50 سنة، لكنه آثر منذ سنوات أن يطلق اللباس العصري وأن يلازم زيّاً وهيئة لا يفارقانه، وعناصرها كالآتي: جلباب وبرنس وغطاء الرأس وعكاز ونظرة خاصة تُظهر نوعا من الوقار مع بعض المظاهر التي تدل على نوع من الكبَر.
بتحليلنا لهذا المظهر الخارجي، يتبين لنا أن الرجل له ذكاء خاص في ادعاء المشيخة، خصوصا أن واقعنا قد لا يقبل المشيخة في صغار السنة، لذلك حاول أن يصنع لنفسه صورة نمطية تُظهر كبَر شخصه، لذلك لازم العكاز وهو غني عنه، ولعله نوع من الكبَر وكأنه أثر من آثار المشيخة، خصوصا أنه يتلقى العلم اللدني ويلتقي برسول الله صلى الله عليه وسلم، وهذا اللقاء بين الناسوت واللاهوت يكون له أثر على جسد المتلقي فيشيخ قبل الأوان، لذلك وقعت له طفرة في المشيخة البيولوجية مرافقة للمشيخة الروحية، ويمكن أن نعترف بأن الرجل نجح في صنع صورة له أمام العامة كشيخ حقيقي، دون أن ننسى تركيزه على اللون الأخضر في هندامه، وهذا له بعد سيميائي، القبة النبوية الخضراء/ أغطية الأضرحة الخضراء/ قباب الأضرحة الخضراء …
ثانيها: يروج الرجل عن نفسه أنه حاصل على شهادة عليا في الأدب العربي، في حين أن كتاباته بالعربية تتميز بالآتي:
أ ــ الركاكة في الأسلوب.
ب ــ كثرة الأخطاء اللغوية الدالة على ضعف بنيوي في اللغة العربية.
ج ــ يحاول الخوض في قضايا عرفانية دقيقة لكنه يناقشها بسطحية ممجوجة لا يقبلها من له أدنى إلمام بهذا المجال.
هذا الثالوث المسيطر على كتاباته سبق أن نشرناه وبينا أخطاءه في منشور خاص، لكن أتباعه يسوغون كل تصرفاته، لذلك واجهونا بقولهم: إن شيخهم يقارب المعاني وأنتم تركزون على الأواني، وأن شيخهم ليس مسؤولا عن تلك الأخطاء لأنه لا يرقن كتبه، بل يمليها فيضا على مريديه وهم الذين يرقنونها.
وهنا وقفات لا بد منها:
** سبق أن قرأنا كتب العارفين ووجدنا عمقا في الأسلوب وأحيانا تحتاج إنتاجاتهم إلى شروح، لذلك وجدنا شروحا لمنظومات الششتري ولكتابات ابن العربي الحاتمي ولحكم ابن عطاء الله السكندري، وكلام الكبيطي سطحي ساذج، فتبين الفرق بين كلام العارفين الحقيقيين والعارفين المدعين.
** قرأنا كتب حجة الإسلام الغزالي ومولاي عبد القادر الجيلاني والشيخ الأكبر محي الدين بن العربي الحاتمي والعارف ابن عجيبة وغيرهم، ولم نجد الركاكة الأسلوبية ولم نجد الأخطاء الفادحة في اللغة، وكتابات الكبيطي يخبط فيها خبط عشواء، ويدهس القواعد دهسا، فتبين الفرق بين العارفين الحقيقيين والعارفين المدعين.
** قرأنا كتاب الإبريز للقطب الدباغ، وهو إملاءات وأجوبة شفوية نقلها عنه تلميذه إمام أئمة وقته سيدي أحمد بن مبارك السجلماسي، ولم نجد أخطاء ولم نجد ركاكة ولم نجد سطحية، رغم أنها إملاء، وعلى فرض أن كتب الكبيطي أملاها فيضا على تلاميذه ــ كما يروج السذج من أتباعه ــ فلنقارن بين إملاء الدباغ وإملاء الكبيطي، لنلمس الفرق بين العارف الحقيقي والعارف المدعي.
هذا الانحطاط الأسلوبي كان كفيلا لهدم صنم الكبيطي، ومع ذلك وجدنا من يدافع عنه، لذلك كان لزاما علينا عقد هذه المقارنات لنبين أن الرجل وأتباعه ليس لهم لا الأواني ولا المعاني.
ومعلوم أن المعاني لا تكون بدون أواني، وأن الحقيقة لا تكون بدون شريعة، وأنه لا شريعة بدون لغة عربية. وهذا وحده كفيل ببيان مكانة الرجل الدنية في اللغة العربية، فكيف حصل على شهادة عليا في تخصصها؟
ثالثها: يروج المتمشيخ الكبيطي وأتباعه أن له مؤلفات عديدة في مقامات التصوف والسحر والمنهج النبوي والتجديد الشامل، وأن مؤلفاته تنيف على الثلاثين. ولنا تعليقات:
** الرجل المجدد لا يستطيع على التجديد في مجالات شتى، بل يمكنه أن ينكب وأن يتفرغ لقضية من القضايا وأن يقلب النظر فيها من جهات وزوايا متعددة وأن يطلع على ما قيل فيها من السابقين ثم يأتي بالجديد، وهذا عمل شاق وغير ميسر، لذلك يتطلب جهدا ووقتا، وشخص عمره خمسون سنة ألّف أكثر من ثلاثين كتابا بخصيصة التجديد! هذا محال، يزيد الأمر وضوحا:
** كتب المتمشيخ الكبيطي يوم 13 ماي 2020 تدوينة ذكر فيها أنه ألف تسعة كتب في خلوة شهر واحد، وأنها كلها من الفيض المحمدي والعلم الوهبي، وليس له فيها فضل سوى نقلها من عالم الإمداد إلى أوراق المداد، وأنه ترجمها من عالم الحال إلى لسان المقال [انظر الصورة].
هذه الدعوى غير صحيحة، وهي دعوى كاذبة قطعا، وصاحبها كذاب أفاك قطعا، لأنه من غير المعقول أن يتلقى فيوضات ربانية مصنفة في مواضيع متعددة، كل موضوع مفصل في كتاب. ومن غير المعقول أن تكون الفيوضات الربانية ركيكة، ومن غير المعقول أن تكون الفيوضات الربانية ملأى بالأخطاء النحوية التي لا يقع فيها تلاميذ المدرسة الرائدة، ومن غير المعقول أن تكون الفيوضات الربانية سطحية إلى غاية الابتذال.
** عرف تاريخنا مجموعة من العارفين الربانيين، وقد تلقوا واردات وفتوحات، لكن لم يسبق لأحد أن ادعى أنه تلقى الفيوضات المتمثلة في تسعة مؤلفات في شهر واحد، فتبين الفرق بين العارفين الحقيقيين والعارف الزنيم الدعي المدعي.
رابعها: يدعي الكبيطي أن الرسول صلى الله عليه وسلم يطلع على كتبه أو يعرضها عليه، وأنه صلى الله عليه وسلم يباركها ويختمها بخاتمه الشريف.
وهذه الدعوى عريضة لا منتهى لدجلها، لأنه صلى الله عليه وسلم لا يبارك تلك السذاجة وتلك السطحية وتلك الركاكة وتلك الأخطاء النحوية وتلك التناقضات التي تحبل بها كتب الرجل، بله أن يبارك الأخطاء العقدية التي يعيش فيها وبها.
والعارفون الحقيقيون دائما ما يلجؤون إلى التواري ويعترفون ــ رغم ما عندهم من إبداع ونبوغ وتألق ــ بالقصور والتقصير والابتعاد عن الدعاوى العريضة، وهذا فارق آخر نعتمده في التمييز بين العارفين الحقيقيين والعارف الزنيم الدعي المدعي الذي يدعي العصمة لكلامه بدعوى مباركته من قبل الرسول صلى الله عليه وسلم.
خامسها: ادعاء المتمشيخ الكبيطي أنه هو الشيخ المحمدي، وادعى في كتابه “المنهج المحمدي المحجة البيضاء أن الشيخ المحمدي يبعثه الله مرة كل 300 سنة ليجدد الدين ويحيي فسيلته، وأنه مؤيد بسر من أسرار الله، وهذا السر يرتفع عند انتقال الولي المجتبى [الوفاة].
ولنا على هذا الكلام تعليقات:
** هذا كلام إنشائي، وإذا فتحنا الباب لمن هب ودب قد يأتي دجال ويقول بأنه وارث للسر وان أمثاله يبعثون على رأس كل 200 عام، ويأتي آخر ويدعي أن أمثاله يبعثون على رأس 50 سنة أو 500، وهذا دجل في دجل.
** هذه المسألة غيبية، والأخبار الغيبية لا نأخذها إلا من القرآن والسنة، ومن ادعى بعثة شخص أو سر على رأس دورة زمنية معينة بتاريخ محدد فهو كذاب.
** بما أن هذا الإخبار من الغيبيات ولا نقبل فيه إلا بالخبر المعصوم، فإن الرسول صلى الله عليه وسلم أخبرنا وهو المعصوم بأن تجديد الدين يكون على رأس كل مائة سنة، وأن الله يبعث لهذه الأمة من يجدد لها أمر دينها، ومن قال بخلاف ذلك فهو دجال كذاب ولو كان كبيطيا، ويرمى بكلامه عرض الحائط ولا كرامة.
=====
المنشور المقبل
قراءة في كتاب الكبيطي (مقام المراقبة، كمال الإحسان)

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى