الداخل الإيرانى هو الذى يحدد مستقبل الجمهورية الإسلامية وليست الولايات المتحدة ولا إسرائيل.”

“عندما اغتيل المرشد الأعلى آية الله على خامنئى اتجهت بعض التحليلات السياسية إلى القول إن النظام الإيرانى ذاهب إلى نفس المصير الذى آل إليه النظام العراقى بعد إطاحة صدام حسين. هذا الاتجاه يغفل الفروق الجوهرية بين نظام ولاية الفقيه ونظام حكم البعث، فالأول مؤسّس على أساس عقائدى صلب ويدافع عنه أنصاره للنهاية، والثانى مؤسّس على أساس تختلط فيه الأيديولوچيا بالمصلحة بمعنى أنه ليس كل المنخرطين فى صفوف حزب البعث كانوا من المؤمنين بمبادئه بل ربما كان انتماؤهم وسيلة للحراك الاجتماعي.
وأذكر فى هذا الخصوص أننى قبل سنوات طويلة رجعتُ لكتابات تيد روبرت جير أستاذ العلوم السياسية الأمريكى الشهير حول العنف السياسي، وتحفظتُ على مقولته عن أن الجماعات التى تنخرط فى العنف تتراجع عنه إذا ارتفعت تكلفته. وكان سبب تحفظى هو أن هذه المقولة غير قابلة للتعميم ولا تنطبق على الجماعات العقائدية، فالعنف لديها جهاد فى سبيل الله وكلما عظمت التضحية زاد الأجر. ولذلك انتهى حزب البعث وتحوّل إلى خلايا سرّية بذهاب صدام حسين، لكن اغتيال المرشد لم ولن يترتب عليه سقوط ولاية الفقيه.
أكثر من ذلك يذهب البعض إلى أن اغتيال المرشد وإن كان تم بفعل عملية استخباراتية إسرائيلية معقّدة ألمح إليها بالتفصيل تقرير أخير مهم نشرته صحيفة الفاينانشيال تايمز الأمريكية- إلا أنه كان ثمة تواطؤ داخليَ من جانب الحرس الثوري، مع الإشارة بالتحديد لدور قائد فيلق القدس إسماعيل قاآنى الذى نجا من عدة تفجيرات أسقطت مسئولين لإيران وحلفائها.
والحجة هى أن الحرس كان ضد المرونة النسبية التى أبداها على خامنئى عندما وافق على استئناف التفاوض مع الولايات المتحدة الأمريكية رغم عدوانها على إيران. ومع أنه لا يوجد مستحيل فى السياسة، إلا أن التحليل السابق يصعب تصوّره، فالحرس الثورى هو النواة الصلبة الحامية للولّى الفقيه وخط دفاعه الأمامى مهما اختلف معه. ولقد سبق لآية الله الخمينى نفسه أن مارس البراجماتية بحكم الأمر الواقع وتجرّع كأس السم وكانت الثورة فى ذروتها. لكن المستفاد من هكذا رأى أن الجماعات المؤدلچة فى إيران قد تكون على استعداد لفعل أى شيء للدفاع عن النقاء الثورى والحفاظ على مبدأ الولاية كما تفهمه. ويتماهى نفس التحليل فى نتيجته مع ذلك الاتجاه الذى يرجّح أن تؤدى تطورات المواجهة الأمريكية- الإسرائيلية/الإيرانية إلى إمساك المتشددين فى إيران بمقاليد الأمور. وهذا بالطبع احتمال وارد.
جوهر النظام الإيرانى وأساسه العقائدى يختلف إذن عن جوهر وأساس النظام العراقى السابق اختلافَا يؤدّى للتباعد بين مصير النموذجين. كما أن التدخل الأمريكى الذى بدّل نظامَا عراقيَا بآخر عاجز عن تحقيق الهدف نفسه فى إيران، هذا إضافة إلى مشروعية السؤال التالي: هل حسمَت الإدارة الأمريكية أصلَا موقفها من تغيير النظام الإيرانى من عدمه؟ الإجابة لا وذلك لأن ما يعنى ترامب بالأساس هو تغيير موقف النظام الإيرانى من قضايا الأمن الإقليمى وليس تغيير النظام نفسه، وما تضارب مواقف ترامب من موضوع تغيير النظام الإيرانى إلا نتيجة التناقض بين حساباته البراجماتية والضغوط الإسرائيلية عليه. وبالتالى تارةَ يقول ترامب إنه لا يريد إسقاط هذا النظام، وتارةَ يحرض الشعب الإيرانى على اقتحام المؤسسات. تارةَ يقول إنه لا يوجد بديل من الداخل، وتارةَ يقول إن القادة الجدد- يقصد منذ بداية الحرب الأخيرة – طلبوا التحاور معه، وتارةَ ثالثة يسخر من أن بعض المسئولين الإيرانيين الذين كان يمكن التفاهم معهم لقوا حتفهم فى الحرب.
لكن أن يكون الوضع جدّ مختلف فى إيران عما كان عليه الحال فى العراق، فإن هذا لا يعنى بحال أنه لا توجد تحديات جسيمة يواجهها النظام الإيرانى وهو يخوض معركته الوجودية من أجل البقاء. هناك أولَا التحدى الاقتصادى المستمر والمتفاقم. صحيح أن استمرار الحرب ينهك الجانب الإسرائيلى ويحرج موقف الإدارة الأمريكية أمام الكونجرس والرأى العام فضلَا عن إحراجها أمام العالم كله كقوة دولية مهيمنة لكن عاجزة عن إخضاع دولة إقليمية. لكن صحيح أيضَا أن كل يوم إضافى فى الحرب وكل توسيع لنطاقها يزيد الأعباء الاقتصادية على كاهل الدولة الإيرانية.
والتحدى الثانى والأخطر هو الاختراق الأمنى الفادح الذى مازال النظام الإيرانى غير قادر على معالجته رغم العدد الكبير من العملاء الذين يواصل توقيفهم. ومالم يسّد النظام هذه الثغرة فسوف تظل خططه وإمكاناته وتحركات مسئوليه فى مرمى الاستهداف. وعندما يصرّح رئيس الوزراء الإسرائيلى بأنه سيتم اغتيال أى خليفة للمرشد الإيرانى فمعنى ذلك أنه مازالت لديه أدواته داخل إيران وأنه قادر على توظيفها من أجل إفراغ مؤسسات الدولة من كوادرها.
ويقودنا ذلك إلى التحدى الثالث المتعلّق بتسارع تصفية القيادات العسكرية والسياسية. وتقتضى الموضوعية الإقرار بأن هذا النظام يتمتع بقدرة عالية على الإحلال والتبديل والتأقلم مع الصدمات. لكن فى الوقت نفسه فإن تصفية صف وراء صف من القيادات العسكرية والسياسية، لا يعنى فقط الانتقال من مستوى لآخر من مستويات الخبرة العملية، لكنه يعنى أيضَا خلخلة الثقة فى النظام لعدم قدرته على حماية مسئوليه.
ثم نأتى للتحدى الأخير وهو المتصّل بوجود شريحة من الإيرانيين فقدَت تعاطفها مع النظام فى حربه الجارية بالمقارنة مع الحرب السابقة لأنه لم ينتقل خطوة للأمام. ولقد خضت نقاشَا حول هذه الظاهرة مع بعض المشككين فيها استنادَا إلى ما هو معروف عن الشخصية الفارسية من رفض الخضوع للتدخلات الخارجية. وبالفعل فإن مظاهر الاستنكار الشعبى الواسع لعملية اغتيال المرشد كانت عارمة. لكن منطقيَا من الصعب أن نتصوّر أن فتيات مثل الشابة الإيرانية التى أحرقَت على الملأ صورة خامنئى قبل أسابيع قليلة ستعود لرفع صورته بعد اغتياله فى قصف إسرائيلي، فليس الجميع بقادر على التمييز بين التناقض الرئيسى مع العدو الخارجى والتناقض الفرعى مع النظام السياسي.
وفى كل الأحوال فإن الداخل الإيرانى هو العامل الأهم فى معادلة الحرب الجارية وهو الذى سوف يحدد مستقبل الجمهورية الإسلامية وليست الولايات المتحدة ولا إسرائيل.”
أثر الحرب على الداخل الإيرانى، السبت 17 من رمضان 1447 هــ 7 مارس 2026 السنة 150 العدد 50860
الأهرام، د. نيفين مسعد.





