24 ساعةأخبار إقليم الجديدةالواجهة

دكان الدجاج الذي هزم القانون… لغز محير في زمن الإستثناء

في بعض المدن ، يحتاج المواطن إلى معجزة صغيرة حتى يفهم كيف تطبق القوانين ، وعلى من تطبق ، ولماذا تتحول بعض الملفات البسيطة إلى ألغاز إدارية يصعب فك شفراتها، حتى لو أستعان المواطن بأشهر المحققين في العالم .

والحكاية هنا لا تتعلق بمشروع ضخم، ولا بملف إستثماري معقد ، ولا بناطحة سحاب تناطح الغيوم ، بل بدكان لبيع الدجاج الحي، تقول شكايات متكررة إنه يحتل جزءا من الملك العمومي ويحرم الساكنة المجاورة من حقها في إستعمال الرصيف ، فضلا عما يثيره نشاطه من إنزعاج لدى الجيران ومن الروائح الكريهة .

الأمر ، بحسب المعطيات التي يطرحها المتضررون ، لا يتعلق بشكاية عابرة أضاعها ساعي البريد في الطريق، بل بأكثر من أربع شكايات وجهت إلى مسؤولين محليين وإقليميين ، في إنتظار جواب واضح وتدخل ملموس ينهي هذا الوضع الذي تقول الساكنة إنه يؤرقها.

وهنا يبدأ العرض الكوميدي، أو بالأحرى السؤال الذي يستحق جوابا جديا ، كيف يعقل أن تتوالى الشكايات ، بينما يظل الوضع قائما وكأن الأمر يتعلق بمرفق إستراتيجي لا يجوز الإقتراب منه إلا بإذن خاص ؟.

هل ضاعت الشكايات في دهاليز الإدارة ؟ هل ما زال الملف ينتظر دوره في طابور طويل ؟ أم أن هناك أسبابا أخرى تفسر عدم ظهور نتيجة واضحة إلى حدود الساعة ، رغم تعدد المراسلات ؟.

أسئلة مشروعة ، لا تحتاج إلى خطب طويلة ، بل إلى جواب مسؤول وإجراءات قابلة للمعاينة على أرض الواقع .

المفارقة التي تستحق التوقف عندها أن الرصيف ، الذي يفترض أن يكون فضاءا آمنا لعبور الراجلين ، يبدو في هذه القضية وكأنه يؤدي عقوبة لم يرتكبها، بعدما وجد نفسه ، وفق إفادات المتضررين محروما من وظيفته الأصلية.

أما المواطن ، فبدلا من أن يسير فوق الرصيف ، قد يجد نفسه مضطرا إلى البحث عن مسار بديل، وربما إلى النزول نحو الطريق ، في مشهد يطرح أسئلة جدية بشأن سلامة الراجلين وإحترام الملك العمومي.

وهنا لا بد من التذكير بأن الملك العمومي ليس ملكا خاصا ، ولا مساحة إضافية تمنح لمن يستطيع فرض الأمر الواقع ، بل فضاءا مشتركا تحكمه القوانين والضوابط الجاري بها العمل.

فهل أصبح إحتلال الرصيف أمرا عاديا إذا تعلق الأمر بنشاط تجاري معين؟ وهل تحتاج أبسط قواعد التنظيم الحضري إلى مفاوضات ماراثونية حتى تجد طريقها إلى التنفيذ؟

لسنا أمام معركة بين الساكنة وصاحب المحل التجاري ، ولا نطالب بإصدار قانون إستثنائي يمنح الراجلين حق المرور ! نحن أمام سؤال بسيط ، أين تنتهي حرية النشاط التجاري وأين تبدأ مسؤولية إحترام القانون وحقوق الجيران والمارة ؟.

إن تعدد الشكايات ، وفق ما يؤكده المتضررون ، يجعل من المشروع التساؤل عن مآلها ، والجهة التي تتولى دراستها والإجراءات التي أتخذت بشأنها ، والأسباب التي قد تفسر إستمرار الوضع.

فالإدارة لا تقاس بعدد المكاتب التي تستقبل الشكايات ، ولا بعدد الطوابع التي تزين الأوراق، بل بقدرتها على معالجة المشاكل وإعطاء المواطنين أجوبة واضحة.

وإذا كانت هناك مخالفات فعلية ، فمن واجب الجهات المختصة التحقق منها وإتخاذ الإجراءات القانونية المناسبة. أما إذا كانت الوضعية سليمة ، فمن حق المعنيين بالأمر معرفة ذلك إستنادا إلى توضيحات رسمية .

أما ترك الملف معلقا ، إن صح إستمرار غياب المعالجة ، فإنه يفتح الباب أمام التأويلات ويغذي الشعور لدى الساكنة بأن بعض الملفات تتحرك ببطئ شديد ، بينما تظل ملفات أخرى في حاجة إلى تفسير مقنع .

القانون لا ينبغي أن يكون سريعا في وجه المواطن البسيط ، وبطيئا عندما يتعلق الأمر بملف يثير الجدل.

وتزداد القضية حساسية ، بحسب ما يطرحه المتضررون ، مع الحديث عن تدخل عضو بالمجلس الجماعي للدفاع عن صاحب الدكان كلما وضعت شكاية لدى السلطات المحلية.

وهنا نصل إلى السؤال الأكثر إحراجا ، ما حدود تدخل المنتخب الجماعي في مثل هذه الملفات ؟ وهل يتعلق الأمر بتوضيح قانوني مشروع ، أم أن الساكنة ترى في هذه التدخلات عاملا يثير الشكوك بشأن أسباب إستمرار الوضع ؟

لا يمكن الجزم بوجود عرقلة أو ضغط دون أدلة واضحة ، لكن من حق المواطنين المطالبة بتوضيحات شفافة، ومن واجب الجهات المختصة التعامل مع الشكايات وفق معايير موضوعية ، بعيدا عن أي إعتبار شخصي أو إنتخابي.

فالعضو الجماعي الذي أختارته الساكنة لتمثيل مصالحها ، يفترض أن يكون مدافعا عن الحقوق المشتركة ، لا أن يتحول دوره في نظر المتضررين، إلى مصدر إضافي للتساؤلات.

وإذا كان صاحب الدكان يحترم القانون، فلا شيء يمنع من تأكيد ذلك من خلال المعاينة والوثائق والإجراءات الرسمية. وإذا ثبت وجود مخالفات، فالمطلوب هو تطبيق القانون وفق المساطر المعمول بها ، دون إنتقائية أو إستثناء.

أما أن يبقى المواطن يتساءل عن سبب إستمرار الوضع فذلك وحده كاف لطرح الحاجة إلى توضيح رسمي يضع حدا للجدل.

إن أخطر ما في هذه القضية ليس الدكان في حد ذاته ، ولا الدجاج الذي يباع داخله ، بل الرسالة التي قد تصل إلى المواطنين عندما يعتقدون أن الشكايات لا تغير شيئا ، وأن المطالبة بالحقوق قد تنتهي بمزيد من الإنتظار.

فكيف نطالب أبناءنا بإحترام القانون، ونحن نحثهم على الثقة في المؤسسات، إذا ظلت بعض القضايا اليومية دون أجوبة واضحة في نظر أصحابها؟

إن التربية على المواطنة لا تبدأ من السبورة وحدها ، بل من الشارع والرصيف والمرفق العام ، ومن الطريقة التي يرى بها الطفل القانون مطبقا أمام عينيه.

فلا معنى لتلقين الأجيال دروسا في إحترام الملك العمومي، إذا كان المواطن لا يجد من يوضح له كيف تعالج الشكايات المتعلقة به .

إن الساكنة المجاورة ، وفق ما تنقله شكاياتها لا تطلب إمتيازاخاصا ، ولا تسعى إلى محاصرة نشاط تجاري، وإنما تطالب بمعالجة وضع تقول إنه يمس راحتها وحق الراجلين في إستعمال الرصيف.

مطالب الساكنة المجاورة اليوم واضحة ، معاينة ميدانية للوضع، والتحقق من مدى إحترام القوانين المنظمة للنشاط التجاري وإستغلال الملك العمومي ، وتوضيح مآل الشكايات المتعددة ، مع إتخاذ الإجراءات المناسبة إذا ثبتت مخالفات.

كما أن من حق الرأي العام المحلي معرفة ما إذا كانت هناك أسباب قانونية أو إدارية تفسر عدم إتخاذ إجراءات ظاهرة إلى حدود الساعة.

أما السخرية ، فمصدرها المفارقة التي يراها المواطن بين تعدد الشكايات وإستمرار التساؤلات ، وهي مفارقة لا يمكن أن تختفي إلا بتوضيح رسمي وتدبير مسؤول.

وفي إنتظار ذلك، يبقى السؤال معلقا هل يحتاج الرصيف إلى تقديم شكاية باسمه ، مرفقة بصور تثبت أنه رصيف بالفعل ، حتى يستعيد وظيفته الأصلية؟

إنها ليست قضية دجاج ورصيف فحسب ، بل قضية ثقة في القانون، وإختبار لمدى قدرة المسؤولين على معالجة إنشغالات المواطنين. فهل تتحرك الجهات المعنية لوضع حد لهذا الجدل، أم سيظل الملف مفتوحا على حلقات جديدة من مسلسل ” الشكاية التي لا تنتهي”؟

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى