
بقم:عبد الله مرجان
تقف مدينة أزمور شامخة على ضفاف نهر أم
الربيع جنوب عاصمة دكالة كواحدة من أقدم المدن المغربية، حاملة في ذاكرتها الجماعية فصولا ممتدة من التاريخ، من العصور القديمة إلى الزمن المعاصر. مدينة هادئة في ظاهرها، لكنها تختزن بين أزقتها وأسوارها قصة حضارة ضاربة في القدم. إذ يعود اسم أزمور، حسب عدد من المؤرخين، إلى أصل أمازيغي مشتق من كلمة “أزمور” التي تعني الزيتون البري، في إشارة إلى قِدم الاستقرار البشري في المنطقة. وتؤكد الاكتشافات الأثرية القريبة من المدينة وجود آثار تعود إلى العهدين الفينيقي والروماني، ما يجعل أزمور من بين أقدم التجمعات الحضرية في غرب المتوسط.
وتؤكد كتب التاريخ أن أزمور دخلت مرحلة جديدة مع الفتح الإسلامي للمغرب في القرن الأول الهجري، لتتحول تدريجيًا إلى مركز تجاري وعلمي مهم بفضل موقعها الاستراتيجي بين النهر والمحيط.
ذات المصادر أوضحت أن المدينة وخلال فترات المرابطين والموحدين والمرينيين، عرفت ازدهارًا ملحوظا، حيث شُيّدت المساجد والأسوار، وازدهرت التجارة والفلاحة، وأصبحت قبلة للعلماء والفقهاء.
وفي مطلع القرن السادس عشر، عرفت أزمور واحدة من أكثر مراحلها حساسية، عندما وقعت تحت الاحتلال البرتغالي سنة 1513. وقد عمل البرتغاليون على تحصين المدينة ببناء أسوار وأبراج دفاعية لا تزال آثارها قائمة إلى اليوم، مشكلة جزءًا من الذاكرة المعمارية للمدينة، بيد أن هذا الاحتلال لم يدم طويلًا، إذ استعادها المغاربة سنة 1541 في عهد السلطان السعدي محمد الشيخ، لتعود أزمور إلى السيادة المغربية وتستأنف دورها الاقتصادي والحضاري.
ارتبط اسم أزمور عبر تاريخها بعدد من العلماء والأولياء الصالحين، وعلى رأسهم الولي الصالح مولاي بوشعيب السارية، الذي لا يزال ضريحه مقصدًا للزوار من مختلف مناطق المغرب. كما احتضنت المدينة زوايا ومساجد لعبت دورًا بارزًا في الحياة الدينية والعلمية.
في العقود الأخيرة، برزت أزمور كمدينة للفن والإبداع، حيث استقطبت عددا من الفنانين التشكيليين المغاربة والأجانب، وتحولت جدرانها العتيقة إلى لوحات مفتوحة. وأسهمت هذه الدينامية الثقافية في إحياء المدينة وإعادة إدراجها في الخريطة الفنية الوطنية.
معالم تاريخية شاهدة، ولعل من أبرز الفنانين التشكيليين الذين بصموا تاريخ المدينة بأعمال خالدة ، الفنان عبدالكريم الازهر والفنان بوشعيب الهبولي.
وإلى جانب الفن تزخر أزمور بمعالم تاريخية بارزة، من بينها المدينة العتيقة بأسوارها البرتغالية، الجامع الكبير، دار القائد، البرج البرتغالي، وضريح مولاي بوشعيب، إضافة إلى موقع قصبة بولعوان القريب، الذي شكّل عبر التاريخ نقطة مراقبة استراتيجية لوادي أم الربيع.
*أزمور المدينة المهمشة والمقصية
رغم ما تختزنه من تاريخ عريق وعمق حضاري ضارب في القدم، تعيش مدينة أزمور، الواقعة على ضفاف وادي أم الربيع بإقليم الجديدة، وضعًا صعبًا يتسم بالإهمال والتهميش، في مفارقة صارخة بين غنى الذاكرة التاريخية وفقر الواقع التنموي.
والاكيد أن مدينة أزمور من أقدم المدن المغربية، إذ تعاقبت عليها حضارات متعددة من الفينيقيين والرومان إلى البرتغاليين، واحتضنت عبر القرون علماء وأدباء ومفكرين، من أبرزهم الرحالة الشهير الحسن الوزان (ليون الإفريقي)، الذي وُلد بأزمور قبل أن يصبح أحد أهم المؤرخين في عصره.
كما تزخر المدينة بمعالم تاريخية مهمة مثل:
الأسوار البرتغالية،القصبة،المدينة العتيقة، المساجد التاريخية وهي معالم تتربع على ضفاف وادي أم الربيع ذات المؤهلات السياحية الكبيرة، غير أن هذه الكنوز التاريخية تعاني اليوم من الإهمال والتدهور، في غياب رؤية حقيقية لإعادة الاعتبار للمدينة.
ورغم قرب أزمور من مدينة الجديدة، إحدى أهم الحواضر الاقتصادية بجهة الدار البيضاء-سطات، فإنها لم تستفد من الدينامية التنموية التي عرفتها المنطقة خلال السنوات الأخيرة. فلا مشاريع كبرى، ولا استثمارات حقيقية، ولا بنية تحتية قادرة على جذب السياح أو المستثمرين ، إضافة إلى أن ساكنة المدينة تعاني من ضعف شبكة الطرق الداخليةوتردي وضعية الإنارة العمومية وغياب الفضاءات الخضراء، ثم قلة المرافق الثقافية والرياضيةوتدهور الخدمات الصحية،
كما تعرف المدينة ارتفاعًا في معدلات البطالة، خاصة في صفوف الشباب، ما يدفع العديد منهم إلى الهجرة نحو مدن أخرى بحثًا عن فرص شغل.
*المدينة العتيقة… جرح مفتوح.
تشكل المدينة العتيقة بأزمور نموذجا صارخا للإهمال، حيث تعاني معظم الدور من التشقق والانهيار، وتفتقر لأبسط شروط الترميم والصيانة. ورغم إدراجها ضمن التراث الوطني، إلا أن مشاريع التأهيل غالبًا ما تبقى حبيسة الوعود والشعارات أو تسير على إيقاع السلحفاة، الأمر الذي يجعل سكان هذه الأحياء يعيشون في ظروف اجتماعية صعبة، يزيد من حدتها منازل آيلة للسقوط وغياب الصرف الصحي اللائق ناهيك عن اكتظاظ سكاني يعاني فقرا وهشاشة اجتماعية. وهو ما يجعل المدينة العتيقة تتحول من فضاء تاريخي وسياحي محتمل إلى عبء اجتماعي ومعماري.
*سياحة غائبة رغم الإمكانيات.
تمتلك أزمور كل المقومات لتكون وجهة سياحية متميزة:نهر طبيعي تراث معماري
موقع استراتيجي قريب من الساحل
تاريخ ثقافي غني ،لكن غياب البنية السياحية (فنادق، مطاعم مصنفة، فضاءات ثقافية، مسارات سياحية) يجعل المدينة خارج الخريطة السياحية الوطنية، في وقت نجحت فيه مدن أقل تاريخا في استقطاب الزوار والاستثمارات.
* المجتمع المدني… صوت بلا صدى.
رغم تعدد الجمعيات الثقافية والحقوقية بأزمور، التي تنظم أنشطة فنية وتاريخية وتطلق نداءات متكررة لإنقاذ المدينة، إلا أن تدخلاتها تبقى محدودة في ظل ضعف الدعم وقلة تجاوب الجهات المسؤولة، لذلك يطالب الفاعلون الجمعويون بـإدماج أزمور في البرامج التنموية الكبرى وتأهيل المدينة العتيقة بشكل جدي ثم استثمار ضفاف وادي فأزمور اليوم ليست فقط مدينة مهمشة، بل رمز لسياسة تنموية غير متوازنة، تُقصي مدنًا عريقة لحساب مراكز حضرية كبرى. مدينة تمتلك كل مقومات النهوض، لكنها تفتقر إلى الإرادة السياسية والتخطيط الاستراتيجي.
إن إنقاذ أزمور ليس ترفًا ثقافيًا، بل ضرورة وطنية لحماية جزء من الذاكرة المغربية، وإعادة الاعتبار لمدينة يمكن أن تتحول من بؤرة تهميش إلى قطب سياحي وثقافي حقيقي.
تبقى أزمور مدينة تنتظر من ينصفها، ويعيد لها مكانتها التي تستحقها بين المدن المغربية. فإما أن تُستثمر ثروتها التاريخية والإنسانية في مشروع تنموي حقيقي، أو تستمر في الانحدار، لتتحول من مدينة تاريخ إلى مجرد ذكرى في كتب الماضي.
أزمور لا تحتاج إلى خطابات، بل إلى قرارات شجاعة تعيد لها الحياة والكرامة لأنها ليست مجرد مدينة عتيقة على هامش الجغرافيا، بل هي فضاء تاريخي حي، تختزل في صمتها قرونًا من الحضارة المغربية. مدينة قاومت الغزاة، واحتضنت العلماء، وفتحت أبوابها للفن والإبداع، وما تزال تنتظر من ينصف تاريخها ويعيد لها مكانتها التي تستحقها في الذاكرة الوطنية.





