
مباراة للموظف… وانتخابات للبرلماني: من يختبر كفاءة من يشرّع لنا؟
سؤال قد يبدو صادماً… لكنه يستحق أن يُطرح: لماذا نختبر كفاءة من سيعمل داخل الإدارة، ولا نختبر الحد الأدنى من المعرفة لدى من سيشارك في صناعة القوانين ومراقبة الحكومة؟
في المغرب، كما في معظم الديمقراطيات، الوصول إلى البرلمان يمر عبر الانتخابات، وهذه هي القاعدة الطبيعية في نظام يقوم على التمثيل الشعبي: المواطنون يختارون من يمثلهم، والصندوق يمنح النائب شرعيته السياسية، لكن بين الشرعية الانتخابية والكفاءة في ممارسة المهمة مساحة واسعة تستحق النقاش.
فالموظف الذي سيتولى مسؤولية إدارية يخضع، في قطاعات عديدة، لمباراة واختبارات وشروط مرتبطة بالتخصص والتكوين، أما المرشح للبرلمان، فلا يخضع لاختبار مهني مماثل قبل أن يصبح جزءاً من مؤسسة تتولى التشريع ومراقبة العمل الحكومي والمساهمة في مناقشة السياسات العمومية والميزانية.
وهنا لا يتعلق الأمر بالدعوة إلى تحويل الانتخابات إلى مباراة توظيف،
فالبرلمان ليس إدارة، والنائب ليس موظفاً.
لكن هل يمكن أن نضمن جودة العمل البرلماني من دون التفكير في تكوين النواب وتأهيلهم؟
النائب قد يجد نفسه أمام نصوص قانونية معقدة، ومشاريع قوانين مالية واقتصادية، وتقارير للجان، وقضايا مرتبطة بالسياسات العمومية والعلاقات الدولية والحقوق والحريات، ولذلك فإن امتلاك الحد الأدنى من المعرفة بأدوات العمل البرلماني ليس ترفاً، بل عنصر يساعد على أداء المهمة التي اختاره المواطن من أجلها.
الانتخاب يمنح النائب الشرعية التي يحتاجها لتمثيل المواطنين، لكنه لا يستطيع وحده أن يضمن امتلاكه للمعرفة القانونية أو الاقتصادية أو القدرة على تحليل الملفات المعقدة.
وهنا يمكن التفكير في حلول وسط تحفظ جوهر الديمقراطية، من بينها تكوين إلزامي للنواب المنتخبين في بداية كل ولاية، يشمل الدستور والقانون التشريعي والمالية العمومية وأخلاقيات العمل البرلماني وتضارب المصالح وآليات مراقبة الحكومة.
كما يمكن التفكير في جعل المعلومات المتعلقة بالمرشحين أكثر وضوحاً أمام الناخبين: المستوى الدراسي، التجربة المهنية، التجربة السياسية، المشاركة الجمعوية أو المدنية، والبرنامج الذي يقدمونه للناخبين، فكلما كانت المعلومات متاحة وشفافة، أصبح المواطن أكثر قدرة على الاختيار على أساس المعرفة، وليس فقط على أساس الانتماء الحزبي أو الخطاب الانتخابي أو العلاقات الشخصية.
قد يعترض البعض بالقول إن فرض شروط أكاديمية صارمة قد يحرم فئات واسعة من المجتمع من حقها في الترشح، وهذا اعتراض مشروع، فالسياسة ليست حكراً على حملة الشهادات، والتجربة الميدانية والاحتكاك اليومي بالمواطنين يمكن أن تكون مصدراً مهماً للخبرة، لكن في المقابل، المسؤولية البرلمانية أصبحت أكثر تعقيداً من أن تُختزل في القدرة على الفوز بالانتخابات فقط، ولهذا، ربما حان الوقت لفتح نقاش وطني جدي حول سؤال بسيط في صياغته، عميق في دلالته:
هل نريد برلماناً يكتفي أعضاؤه بامتلاك الشرعية الانتخابية، أم برلماناً يجمع بين الشرعية الشعبية والكفاءة والمسؤولية؟
السؤال ليس موجهاً ضد أحد، ولا ينبغي أن يتحول إلى معركة بين الأحزاب أو الأشخاص، إنه سؤال يتعلق بجودة المؤسسات، وبحق المواطن في أن يكون ممثلوه قادرين على فهم الملفات التي يصوتون بشأنها، ومناقشة القوانين التي ستؤثر في حياته، وممارسة الرقابة التي أناطها بهم الدستور.
فإذا كان المواطن يخضع للامتحان عندما يريد الحصول على وظيفة، أفلا يستحق من يطلب صوته ليشارك في صناعة القوانين أن يخضع، على الأقل، لتكوين وتأهيل حقيقي بعد وصوله إلى البرلمان؟
ربما لا نحتاج إلى «مباراة برلمانية»…
لكننا بالتأكيد نحتاج إلى برلمان أكثر تأهيلاً، ونقاش انتخابي أكثر شفافية، وناخب أكثر اطلاعاً، ونائب أكثر قدرة على تحمل المسؤولية،
لأن صوت المواطن ليس مجرد ورقة تُوضع في صندوق الاقتراع…
إنه تفويض بالمسؤولية.





