في الصميم : جمعيات أمهات وآباء التلاميذ: شريك للمدرسة أم سلطة موازية؟ وأين تنتهي حدود التدخل؟

المرسوم رقم 2.20.475 الصادر في 20 يوليوز 2021 حدد أدوارها ومهامها، ونص على أن هدفها هو تأطير وتيسير انخراط الأمهات والآباء والأولياء في الشأن التربوي، والإسهام في الارتقاء بمؤسسات التربية والتكوين وتطوير أدائها، مع التأكيد على التنسيق والاحترام المتبادل للأدوار بينها وبين المؤسسة التعليمية.
إن قوة جمعية الآباء والأمهات لا تقاس بقدرتها على الحلول محل الإدارة، كما أن قوة الإدارة لا تقاس بقدرتها على التحكم في جمعية الآباء والأمهات. وبين هذين الحدين تتحدد قيمة الشراكة الحقيقية التي ينبغي أن تجمع الأسرة بالمؤسسة التعليمية، باعتبارهما طرفين أساسيين في معادلة واحدة عنوانها الأبرز: مصلحة المتعلم.
لقد تجاوزت المدرسة الحديثة، منذ زمن، منطق المؤسسة المغلقة التي تشتغل بمعزل عن محيطها الاجتماعي والأسري. فالأسرة لم تعد مجرد جهة تسلم أبناءها للمدرسة ثم تنتظر النتائج، كما أن المؤسسة التعليمية لم تعد قادرة على تحقيق أهدافها التربوية دون انفتاح حقيقي على الأسر. ومن هنا جاءت جمعيات أمهات وآباء وأولياء التلميذات والتلاميذ باعتبارها إطاراً للتواصل والمشاركة والمساهمة في تحسين الحياة المدرسية، وليس باعتبارها إدارة موازية أو سلطة فوق الإدارة والأطر التربوية.
غير أن الممارسة اليومية تكشف، في بعض الحالات، عن اختلال في فهم هذه العلاقة. فهناك من ينظر إلى جمعية الآباء باعتبارها مجرد واجهة شكلية تستدعى عند الحاجة إلى تنظيم نشاط أو جمع مساهمة أو توفير دعم، وهناك من ينظر إليها، في الاتجاه المقابل، باعتبارها قوة تستطيع التدخل في كل صغيرة وكبيرة داخل المؤسسة، من تدبير الشؤون الإدارية إلى قضايا المدرسين والنقط والأقسام والقرارات التربوية. وبين هذا وذاك تضيع الفكرة الأساسية: الجمعية شريك، وليست إدارة؛ والإدارة سلطة تربوية وإدارية، وليست جمعية.
إن الجمعية القوية ليست هي التي ترفع صوتها أكثر، ولا التي تدخل في صراعات متواصلة مع الإدارة، ولا التي تحاول فرض نفسها باعتبارها صاحبة القرار داخل المؤسسة. الجمعية القوية هي التي تعرف كيف تدافع عن مصالح المتعلمين والأسر بالحجة والقانون، وكيف تقترح الحلول، وكيف تساهم في الأنشطة التربوية والثقافية والرياضية، وكيف تفتح قنوات التواصل، وكيف تترافع من أجل تحسين ظروف التمدرس دون أن تتجاوز اختصاصاتها.
وفي المقابل، فإن الإدارة القوية ليست هي التي تغلق أبواب المؤسسة أمام الأسر، أو تنظر إلى جمعية الآباء باعتبارها مصدر إزعاج أو تدخلاً دائماً. الإدارة الناجحة هي التي تعرف قيمة الشراكة، وتستفيد من إمكانات الجمعية وخبرتها وعلاقاتها المجتمعية، وتفتح أمامها المجال للمساهمة في الحياة المدرسية، مع الحفاظ في الوقت نفسه على الاختصاصات والمسؤوليات التي يحددها القانون والتنظيم.
فلا يجوز أن تتحول جمعية الآباء إلى إدارة موازية، كما لا يجوز أن تتحول الإدارة إلى جهاز يتحكم في الجمعية أو يوجه قراراتها أو يستعملها لتنفيذ ما تريده. وفي الحالتين تكون النتيجة واحدة: اختلال في التوازن المؤسساتي، وتوتر في العلاقات، وفي النهاية يدفع المتعلم ثمن هذا الصراع الذي لم يكن طرفاً فيه.
المشكلة إذن ليست في وجود جمعية قوية، بل في مفهوم القوة نفسه. هل القوة هي فرض النفوذ؟ أم القدرة على التأثير الإيجابي؟ هل قوة الجمعية في قدرتها على تجاوز الإدارة؟ أم في قدرتها على إقناع الإدارة والشركاء بضرورة اتخاذ إجراءات تخدم المتعلم؟ وهل قوة الإدارة في إقصاء الجمعية؟ أم في قدرتها على تدبير شراكة مسؤولة معها؟
إننا بحاجة إلى تغيير هذه العقلية. فالمدرسة ليست ملكاً للمدير، وليست ملكاً للمدرسين، وليست ملكاً لجمعية الآباء. إنها مؤسسة عمومية وظيفتها الأساسية خدمة المتعلم وتأمين شروط التعلم والتربية والتفتح. وكل طرف يشتغل داخلها أو حولها إنما يمارس دوره من أجل هذه الغاية.
ومن هنا، فإن جمعية الآباء مطالبة بأن تكون أكثر وعياً بمسؤوليتها. عليها أن تعرف حدود تدخلها، وأن تبتعد عن التدخل في النقط والقرارات التربوية الفردية، وعن ممارسة الضغط على المدرسين، وعن محاولة التأثير في المساطر الإدارية، وأن تجعل أولوياتها مرتبطة بما يخدم المصلحة العامة للمتعلمين. كما أن عليها أن تكون شفافة في تدبير مواردها، واضحة في قراراتها، منتظمة في اجتماعاتها، ومتصلة فعلياً بالأسر التي يفترض أنها تمثلها.
وفي المقابل، فإن الإدارة مطالبة أيضاً بأن تتعامل مع الجمعية باعتبارها شريكاً مؤسساتياً، لا مجرد إطار ثانوي. فإشراك الأسر لا ينبغي أن يكون موسمياً أو مرتبطاً فقط بطلب الدعم والمساهمات، بل ينبغي أن يكون جزءاً من ثقافة المؤسسة، من خلال التواصل والحوار والتشاور في المجالات التي تسمح بها القوانين والأنظمة.
وهناك مسألة أخرى تستحق الكثير من الانتباه، وهي ضرورة الفصل بين الصفات والمسؤوليات عندما تجتمع في الشخص الواحد أكثر من صفة. فقد يكون الأستاذ في الوقت نفسه أباً أو أماً لتلميذ، وقد يكون من حقه، وفق الإطار المنظم، أن يشارك في جمعية الآباء باعتباره ولي أمر. لكن هذا الجمع بين الصفتين يفرض قدراً أكبر من الحكامة والوضوح، خصوصاً عندما يتعلق الأمر بموضوع يمس مصلحته المهنية أو المؤسسة التي يعمل بها. فالمطلوب ليس إقصاء المدرسين من جمعيات الآباء لمجرد كونهم مدرسين، وإنما منع تداخل المصالح والأدوار عندما تكون هناك مصلحة مباشرة أو تضارب واضح.
والأمر نفسه ينطبق على أعضاء مكاتب جمعيات الآباء. فالعضوية ليست تفويضاً مفتوحاً للتدخل في اختصاصات الآخرين، كما أن انتخاب المكتب لا يمنح أصحابه سلطة فوق الإدارة أو الأطر التربوية. الجمعية لها أدوارها ومسؤولياتها، والإدارة لها اختصاصاتها، والمدرس له مهامه المهنية، والسلطات التربوية لها اختصاصاتها، وكل محاولة لخلط هذه المستويات لن تنتج إلا الفوضى.
إن أخطر ما يمكن أن يحدث داخل مؤسسة تعليمية هو أن تتحول العلاقات المؤسساتية إلى علاقات شخصية، وأن يصبح القرب من المدير أو من رئيس الجمعية أو من بعض المدرسين وسيلة للتأثير في القرارات. عندها تفقد المؤسسة حيادها، وتتحول الشراكة إلى شبكة من المصالح والمجاملات، ويصبح من الصعب التمييز بين ما هو حق وما هو امتياز، وبين ما هو تدخل مشروع وما هو ضغط غير مشروع.
لهذا فإن المدرسة في حاجة إلى شراكة ناضجة، لا إلى صراع على النفوذ.
نحتاج إلى جمعية آباء تسأل: كيف نساهم في الحد من الهدر المدرسي؟ كيف ندعم المتعلمين المتعثرين؟ كيف نشجع القراءة والأنشطة الثقافية والرياضية؟ كيف نساهم في تحسين فضاءات المؤسسة؟ كيف ندعم التواصل بين الأسرة والمدرسة؟ وكيف يمكن أن نساعد الأسر على فهم حاجات أبنائها التعليمية والتربوية؟
ولا نحتاج إلى جمعية ينحصر حضورها في السؤال: من يملك القرار؟ ومن يستطيع التأثير؟ ومن يستطيع الضغط على هذا الطرف أو ذاك؟
كما أننا لا نحتاج إلى إدارة تعتبر كل ملاحظة من الأسرة تدخلاً، وكل سؤال من الجمعية تحدياً، وكل مبادرة خارجية تهديداً لسلطتها. فالسلطة الإدارية لا تعني الانغلاق، والمسؤولية التربوية لا تعني رفض الحوار.
إن العلاقة السليمة بين الأسرة والمدرسة تقوم على قاعدة بسيطة لكنها عميقة: الاحترام المتبادل، وضوح الاختصاصات، الشفافية، الحوار، وربط كل المبادرات بمصلحة المتعلم.
فالجمعية التي تحترم الإدارة لا تفقد قوتها، والإدارة التي تنفتح على الجمعية لا تفقد هيبتها. بالعكس، كلاهما يكتسب شرعيته الأخلاقية والمؤسساتية عندما يمارس اختصاصه دون اعتداء على اختصاص الآخر.
والحقيقة أن قوة جمعية الآباء لا تقاس بعدد بياناتها ولا بعدد اجتماعاتها ولا بعدد الصور التي تنشرها على مواقع التواصل الاجتماعي، وإنما بما تتركه من أثر حقيقي في حياة المتعلم. كما أن قوة الإدارة لا تقاس بقدرتها على إسكات الأصوات أو إغلاق الأبواب، وإنما بقدرتها على تدبير المؤسسة بكفاءة وعدالة وانفتاح ومسؤولية.
إننا أمام حاجة ملحة إلى إعادة الاعتبار لمفهوم الشراكة داخل المدرسة المغربية. شراكة لا تقوم على التبعية، ولا على الوصاية، ولا على الصراع، وإنما على التكامل.
نريد جمعية آباء قوية، ولكن لا نريد سلطة آباء. نريد إدارة قوية، ولكن لا نريد إدارة مغلقة. نريد أسرة حاضرة، ولكن لا نريد أسرة متدخلة في كل الاختصاصات. ونريد مدرساً محترماً في مهمته، دون أن يكون فوق المساءلة المهنية أو الحوار المؤسساتي.
وفي النهاية، فإن السؤال الحقيقي ليس: من الأقوى، الجمعية أم الإدارة؟
السؤال الذي ينبغي أن يشغل الجميع هو: من يخدم المتعلم بشكل أفضل؟
فإذا عرفت الجمعية أين تبدأ مسؤوليتها وأين تنتهي، وعرفت الإدارة كيف تنفتح على الشراكة دون أن تتخلى عن اختصاصاتها، وعرف المدرس أن الأسرة شريك وليست خصماً، وعرفت الأسرة أن المدرسة ليست فضاءً للتدخل في كل التفاصيل، فإن المؤسسة التعليمية تصبح أقرب إلى النموذج الذي نريده جميعاً.
أما عندما تختلط الأدوار وتتداخل المصالح وتتحول الشراكة إلى صراع على النفوذ، فإن الخاسر الأول والأخير لن يكون الجمعية ولا الإدارة ولا المدرس، وإنما التلميذ الذي من المفترض أن تكون مصلحة الجميع فوق كل اعتبار.





