مجرد رأي

“التكريم بين ثقافة الاعتراف وصناعة الأوهام… متى نصنع المجد ومتى نوزّع الأدرع؟”

في مشهد تتقاطع فيه القيم النبيلة مع المصالح الضيقة، يظل التكريم من أكثر المفاهيم إثارة للجدل في مجتمعنا. هو فعل رمزي عميق، يُفترض أن يُترجم إلى رسالة تقدير لمن أعطوا بسخاء، وصنعوا الفرق في مجالاتهم، وأثروا في حياة الناس. لكنه في كثير من الأحيان يتحول إلى مسرحية اجتماعية لا تقل إثارة عن مشاهد السياسة، حيث تُوزّع الشواهد والدروع مثل بطاقات حضور، بلا معايير ولا ضوابط، فيختلط المجتهد بالطارئ، ويغيب جوهر الفعل التكريمي.

التكريم في أصله ثقافة اعتراف، قبل أن يكون لوحة خشبية أو شهادة ورقية. هو لحظة يلتقي فيها التاريخ بالحاضر، وتقول فيها الجماعة “شكرًا” لشخص قدّم عطاءً يتجاوز ذاته. لكنه في واقعنا المعاصر بات في كثير من الأحيان مرادفًا للمجاملة، أو تصفية الحسابات، أو إرضاء النفوذ. هنا يصبح السؤال مشروعًا: متى نكرم؟ ولماذا نكرم؟ ولمن نهدي رمزية هذا الاحتفاء؟

لقد اعتدنا أن نشاهد حفلات تكريم تُنظم بعناية فائقة من حيث الشكل، لكن المحتوى يظل فارغًا. قاعات فخمة، منصات مزخرفة، خطابات رنانة، وكاميرات تلتقط الصور من كل زاوية، لكن ما يخرج به المتابع في النهاية لا يتجاوز فقاعة إعلامية تُنسى بمجرد أن تنطفئ الأضواء. التكريم في هذه الصورة يفقد روحه، لأنه لم ينبع من تقييم موضوعي، بل من حسابات ضيقة.

ولعل أخطر ما في الأمر هو التكريم بعد الموت، حيث نتسابق لإلقاء الكلمات المؤثرة، ونوزع الأوسمة على أرواح أشخاص لو كانوا بيننا لعاتبونا على صمتنا وتقصيرنا. هنا يصبح الاحتفاء شبيهًا باعتذار متأخر، وكأن المجتمع يقول: “سامحنا لأننا لم نرَك وأنت تعطي.” لكن ما قيمة الشكر إذا جاء بعد فوات الأوان؟ أليس من الأجدر أن نحتفي بالعطاء وهو حي، ليشعر صاحبه بأن جهده لم يذهب سدى؟

في المقابل، هناك نماذج مشرقة تُعيد للتكريم معناه الحقيقي. تكريم المبدعين الذين كرسوا حياتهم لخدمة الفن والثقافة، تكريم العلماء الذين رفعوا اسم الوطن في المحافل الدولية، تكريم المقاومين الذين ضحوا من أجل الحرية، وتكريم الجمعيات التي تعمل في صمت وسط الهامش. هنا يصبح التكريم مرآة للهوية المجتمعية، ورسالة مفادها أن المجتمع لا ينسى أبناءه البررة.

فتكريم المعلم والأستاذ ليس مجاملة… بل دين في أعناقنا …حين نكرّم معلمًا أو أستاذًا، فنحن لا نحتفي بشخصه فقط، بل نحتفي بكل لحظة تعب، وبكل كلمة زرعها في عقول وقلوب أجيال كاملة.التكريم هنا ليس مجرد درع يعلّق على الحائط، بل اعتراف جماعي بأن التربية والتعليم هما أساس أي نهضة حقيقية...إن تكريم المعلم والاستاذ هو في جوهره تكريم للوطن، لأنه من بين جدران القسم ووسط سبورات الطباشير تصنع قصص المستقبل.وعندما نهمل هذا التكريم، نُهمل بذلك منارة تهدي الطريق، ونرسل رسالة سلبية للأجيال بأن من يعلّمهم ويصنع مستقبلهم لا يستحق التقدير.

فلنجعل من يوم تكريم المعلم والأستاذ لحظة وفاء صادقة، نقف فيها جميعًا اعترافًا بفضل من حملوا همّ التربية في صمت، وعانقوا رسالتهم بعزيمة، ليظلوا رمزًا للعلم والنور، وركيزة لكل مجتمع يريد أن يبقى حيًّا ومتقدمًا.

لكن لكي نصل إلى هذه الصورة النقية، علينا أن نجيب بصراحة عن أسئلة أساسية:
هل نكرم الأشخاص أم نكرم المناصب؟
هل نكرم العطاء الحقيقي أم الولاءات السياسية؟
هل نكرم لأننا نؤمن بقيمة العمل، أم لأننا نخشى النقد؟

الجواب عن هذه الأسئلة سيحدد طبيعة حفلاتنا ومصداقيتها. فالتكريم الحقيقي ليس حدثًا عابرًا، بل قرار مجتمعي، يسبقه تقييم شفاف يميز بين الجهد والضجيج. وإلا فإننا سنظل ندور في حلقة مفرغة، نكرر فيها الوجوه نفسها، ونتجاهل الطاقات الحقيقية التي تعمل في الظل.

في السنوات الأخيرة، شاهدنا حفلات تكريم لا تخلو من المفارقات المضحكة المبكية... حفلات تكريم مثيرة للجدل  بين وهم المجد وشراء الولاءات وعشنا حفلات تكريم مشرقة ،حين يلتقي الفعل الرمزي بالواقع
في إحدى الأيام ، تم تنظيم حفل تكريم فخم حضره مسؤولون كبار، وكان الهدف المعلن “الاحتفاء برموز العطاء المحلي”. لكن المفاجأة أن قائمة المكرَّمين ضمت أسماء لم تقدم شيئًا يُذكر، بينما غابت وجوه حقيقية تعمل في صمت منذ سنوات. تحوّل الحفل إلى ما يشبه مهرجانًا للتقاط الصور، حيث ارتفعت الكاميرات، وتعالت التصفيقات، ثم انتهى كل شيء دون أثر على أرض الواقع. كثير من الحاضرين خرجوا وهم يتساءلون: “هل أصبح التكريم وسيلة لمكافأة الولاءات السياسية بدل مكافأة العطاء الفعلي؟“

وفي واقعة أخرى، كُرّم أحد الشخصيات لمجرد أنه كان قريبًا من أصحاب القرار، رغم أن سيرته العملية تكاد تكون خالية من أي إنجاز ملموس. كان المشهد صادمًا، حيث تخلّى المنظمون عن كل المعايير المهنية، واكتفوا برمزية “القرب من السلطة” كجواز مرور إلى منصة التكريم. مثل هذه الأمثلة لا تسيء فقط إلى المكرِّم والمكرَّم، بل تزرع الإحباط في نفوس العاملين بجد وصمت.

وعلى النقيض تمامًا، هناك نماذج مضيئة تجعلنا نؤمن أن التكريم يمكن أن يكون وسيلة لبناء المجتمع.
في إحدى المبادرات الثقافية، تم تكريم كاتب محلي أفنى حياته في تعليم الأجيال حب القراءة والكتابة. لم يكن الحفل فخمًا ولا مكلفًا، لكنه كان مليئًا بالصدق. تلاميذه السابقون حضروا ليقولوا له شكرًا، وقدموا له هدية رمزية تمثل كتبه ومخطوطاته. هنا كان التكريم حقيقيًا وعميقًا لأنه لامس القلوب قبل أن يلامس الكاميرات.

وفي مناسبة أخرى، نظمت إحدى الجمعيات حفلاً لتكريم مجموعة من النساء القرويات اللواتي يشتغلن في التعاونيات. لم يكن أحد يعرف أسماءهن قبل الحفل، لكن المجتمع تعرف عليهن كرموز للعمل الجاد والمبادرة المحلية. التكريم هنا لم يقتصر على الدروع، بل شمل أيضًا دعم مشاريعهن ماديًا ومعنويًا، فصار للاحتفاء أثر ملموس في حياتهن.

التكريم كصناعة للمستقبل

اليوم، وفي زمن أصبحت فيه الصورة أقوى من الفعل، صار من السهل أن نمنح الألقاب والصفات كما نمنح “اللايكات” على وسائل التواصل الاجتماعي. هذا التبسيط المخل يحوّل التكريم من فعل ثقافي راقٍ إلى سلعة رمزية رخيصة، يتسابق البعض لاقتنائها دون استحقاق. وهنا يبرز خطر آخر: حين يرى الشباب أن الطريق إلى التقدير يمر عبر العلاقات لا عبر الكفاءة، فإن ذلك يُحبط الطموح، ويفرغ المجتمع من روح المبادرة والإبداع.

ولأن التكريم مسؤولية، فهو يحتاج إلى لجان مستقلة ذات كفاءة، تحدد المعايير بوضوح، وتفصل بين العاطفة والموضوعية. كما يجب أن يُرافق التكريم متابعة عملية: فتكريم الباحث العلمي يجب أن يتبعه دعم لمشروعه، وتكريم الفنان يجب أن يُترجم إلى فتح فضاءات إبداعية أمامه، وتكريم الرياضي يجب أن يقترن بتوفير بنية تحتية حقيقية. وإلا فإن التكريم سيظل مجرد صورة تذكارية معلقة على الحائط، بلا أثر في الواقع.

في النهاية، يظل التكريم مرآة لثقافة المجتمع. فإذا كان المجتمع ناضجًا، ظهر ذلك في نوعية الشخصيات التي يكرمها. وإذا كان غارقًا في الفوضى والمحسوبية، انعكس ذلك في حفلات تكريم تتحول إلى مهرجانات ضجيج بلا روح.

ولعل السؤال الذي يجب أن نطرحه اليوم بجرأة هو:
هل نسعى لصناعة مجد حقيقي لأمتنا، أم نكتفي بتوزيع الأدرع على وجوه لا تعكس إلا خواء اللحظة؟.
فالمجتمع الذي يُكرّم عن استحقاق، هو مجتمع يُربّي أبناءه على الإبداع والالتزام، ويفتح لهم الأبواب ليتركوا أثرًا حقيقيًا. أما المجتمع الذي يوزع الهدايا والادرع على غير مستحقيها، فهو في الحقيقة يدفن الكفاءات الحقيقية تحت ركام الزيف، ويقتل في النفوس حلم العطاء الصادق.

التكريم ليس مجرد درع أو شهادة، بل هو رسالة عميقة تقول للأجيال القادمة:
“
هكذا نكافئ من يزرع الخير بيننا، وهكذا نخلّد ذكرى من يرفع راية الوطن بجهده لا بشعاراته.”

فلتكن حفلاتنا منصات لإبراز القيم لا الوجوه، والعمل لا الخطابات.
ولنجعل من التكريم قوة تدفع المجتمع إلى الأمام، لا مسرحية عابرة تُرضي بعض الأنانيات.

وحين نصل إلى ذلك اليوم، لن نحتاج إلى كثير من الكلمات أو الصور، لأن أثر العطاء نفسه سيصبح أكبر تكريم يمكن أن يُمنح لأي إنسان.

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى