24 ساعةأخبار إقليم الجديدةالواجهة

ضريح للا عائشة البحرية … حين يصبح الدجل عنوانا للسياحة الروحية

يبدو أن بعض الأضرحة بإقليم الجديدة قررت في غفلة من الزمن ، أن تفتح أبوابا جديدة للإستثمار… ليس في السياحة ولا في الثقافة ولا في التنمية ، وإنما في بيع الوهم وتسويق الخرافة.

ففي الوقت الذي يفترض فيه أن تكون المواقع التاريخية والأضرحة فضاءات للذاكرة والتراث ، تتحول بعض هذه الأماكن بحسب ما يروج من شهادات وممارسات متداولة إلى فضاءات تستقطب أشخاصا يبحثون عن حلول سريعة لمشاكلهم ، من إبطال السحر إلى جلب الحظ ، مرورا بالزواج والإنجاب ، وكأننا أمام وكالة خدمات خارقة للطبيعة تعمل بنظام: “اطلب ما شئت… والباقي على البركة !”.

ومن بين النماذج التي تستحق فتح نقاش جدي، ما يعرف بضريح للا عائشة البحرية ، حيث تتداول روايات متعددة حول شخصية هذه المرأة وتاريخها وأصلها ، في غياب ، حسم تاريخي واضح يضع حدا لهذا الكم الهائل من الأساطير التي نسجت حولها .

فبعض الروايات تتحدث عن إمرأة قدمت من العراق لتلتقي بالولي الصالح مولاي بوشعيب السارية ، بينما تقدم رواية أخرى قصة مختلفة تماما ، مفادها أنها إمرأة قتلت أثناء مقاومتها للوجود البرتغالي بأزمور.

وبين الروايتين، يبدو أن الحقيقة التاريخية أختارت الجلوس في آخر الصف ، بينما تقدمت الأسطورة إلى المنصة وأمسكت بالميكروفون !.

الأكثر إثارة للجدل هو ما يرتبط ببعض الطقوس والممارسات التي يقال أنها تتم بالمكان ، وما يروج من إعتقادات حول قدرة الدفينة على إبطال السحر أو المساعدة على الإنجاب أو تيسير الزواج.

وهنا يحق للمرء أن يتساءل، بسخرية لا تخلو من المرارة .

هل نحن أمام موقع تراثي يحتاج إلى التوثيق والحماية ، أم أمام “مصلحة إدارية” غير معلنة لمعالجة الملفات المستعصية التي عجز الطب والقانون والمنطق عن حلها ؟.

فإذا كان شخص ما يعاني من مشكلة صحية ، فهناك الطبيب ، وإذا كان أمام مشكلة إجتماعية ، فهناك مؤسسات مختصة ، وإذا كان يبحث عن الزواج فهناك الحياة بكل تعقيداتها… أما أن تتحول الخرافة إلى “حل سحري شامل”، فهنا ينبغي أن يتدخل العقل قبل أي شيء آخر.

والأخطر من ممارسة الشعوذة نفسها هو إستغلال حاجة الناس وضعفهم ، خصوصا عندما يتعلق الأمر بالمرض أو العقم أو تأخر الزواج أو الأزمات النفسية والإجتماعية . فهذه الحالات تجعل الإنسان أكثر قابلية لتصديق الوعود الخارقة ، وهو ما قد يفتح الباب أمام الإستغلال المادي أو المعنوي .

أما حكاية بعض الأشخاص الذين يقدمون أنفسهم بإعتبارهم من أحفاد الدفينة أو أصحاب “تفويض سماوي” لتوزيع البركة على الأحياء ، فهذه قصة أخرى تستحق أن تدخل موسوعة أغرب الوظائف غير المعلنة !.

ففي زمن أصبحت فيه الوثائق والشهادات والظهائر والقرارات الإدارية تخضع للمساطر ، ما زال هناك من يقدم للناس شهادة نسب إلى عالم الغيب وكأن الأمر يتعلق ببطاقة مهنية أو إعتماد رسمي!

لكن السؤال الحقيقي لا ينبغي أن يكون عن صحة هذه الأساطير من الناحية الدينية أو الشعبية فقط ، بل عن المسؤولية القانونية والإدارية عندما تتحول الممارسات المرتبطة بالشعوذة والدجل إلى نشاط يستغل المواطنين أو يعرضهم للخطر أو يسيء إلى حرمة المكان وسمعة المنطقة .

وهنا يأتي دور السلطات المحلية والجهات المختصة ، ليس لمحاربة معتقدات الناس بالقوة ، وإنما لتطبيق القانون ، وحماية المواطنين من الإستغلال ، وصيانة المواقع التاريخية ، والتصدي لأي ممارسة تتجاوز القانون.

فالمطلوب ليس إرسال “فرقة خاصة لمحاربة الجن”، ولا تشكيل لجنة للتحقيق مع العفاريت والشياطين، وإنما القيام بشيء أكثر بساطة ، تطبيق القانون على الأرض ، وتوثيق التاريخ ، وحماية الناس من الإستغلال.

لقد آن الأوان ، لأن تنتقل أضرحة إقليم الجديدة من مرحلة “قالوا ويحكى ويروى” إلى مرحلة التوثيق العلمي والتاريخي، وأن يتم التفريق بوضوح بين التراث الشعبي وبين الممارسات التي قد تدخل في نطاق الدجل أو الإستغلال أو مخالفة القانون .

وإذا كانت بعض الأماكن التاريخية في بلادنا قد نجحت في التحول إلى مواقع ثقافية وسياحية تستقطب الزوار ، فليس من المستحيل أن تتحول أضرحة المنطقة أيضا إلى فضاءات تحفظ الذاكرة وتحترم التاريخ ، بدل أن تصبح محطات للبحث عن وصفات خارقة لكل مشاكل الحياة .

وفي إنتظار ذلك ، يبقى السؤال موجها إلى الجهات المسؤولة بإقليم الجديدة:

إلى متى سيظل العقل خارج الخدمة ، بينما تشتغل الخرافة بنظام المداومة ؟.

وهل آن الأوان لفتح ملف هذه الممارسات ، بما يضمن إحترام القانون وصيانة التراث وحماية المواطنين من كل أشكال الإستغلال؟.

لأن أضرحة إقليم الجديدة يستحقان أن تروى حكايتهما بالتاريخ والتراث والثقافة لا بالخرافة والدجل وبيع الوهم .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى