الواجهةثقافة وفنون ومؤلفات

قراءة في أغنية (البير) لمجموعة لرصاد

بقلم: خليل شعيب

======
تُعد أغنية (البير)لمجموعة لرصاد واحدة من النصوص الغيوانية العميقة التي تنتمي إلى مدرسة الرمز والإيحاء أكثر مما تنتمي إلى السرد المباشر. فهي ليست أغنية عن بئر جافة بالمعنى الحرفي، بل هي قصيدة وجودية تتأمل مصير الإنسان، وطبيعة الطمع، وعبثية التعلق بالأوهام……..
منذ المطلع، يصدح النص بنداء يحمل في طياته الحكمة والتحذير:
يا الطامع
في البير الواكح
تسقي منو
لا لا لا تتعدب…..
إنه خطاب موجه إلى كل إنسان يصر على البحث عن الحياة في الأشياء التي فقدت قدرتها على العطاء. فـ(البير الواكح) تتحول هنا إلى رمز لكل ما استنزف حتى الجفاف؛ قد تكون إنسانا أفرغته الأنانية من مشاعره، أو مجتمعا نضبت فيه القيم، أو زمنا فقد قدرته على إنجاب الأحلام……
ويزداد المعنى عمقا حين يقول النص:
ما تركو ليك البير حتى خلاوه كي لغدير….
ما بقات فيه القطرة لا ليك ولا للغير….
إنها إدانة صريحة لجشع الإنسان وطمعه اللامحدود. فالبئر لم تجف بفعل القدر، بل بفعل الاستنزاف. إنها صورة لعالم يلتهم موارده المادية والروحية دون رحمة، حتى لا يبقى شيء للأجيال اللاحقة. وهنا يصبح (البير) رمزاً للوطن، وللقيم، وللإنسان ذاته حين يُستنزف حتى آخر قطرة……
ثم يرسم النص صورة الإنسان الذي يرفض الاعتراف بالحقيقة:
ديما دلوك فارغ….
ديما جهدك ضايع…
ديما تبقى طامع…
تجرب ما تقتانع…
إنها صورة عبثية تذكرنا بأسطورة سيزيف؛ الإنسان يعيد المحاولة نفسها كل يوم، رغم علمه المسبق بالنتيجة. إنه أسير وهمه، غير قادر على التحرر من تعلقه بالمستحيل.
ويبلغ النص ذروة المفارقة في قوله:
شافك المجنون معدب
قال في نفسو هادا آش كا يدير……
حين يتعجب المجنون من تصرفات الإنسان، فإن موازين العقل نفسها تصبح موضع سؤال. وكأن الأغنية تقول إن بعض أشكال الطمع والعناد تتجاوز حدود الجنون ذاته.
أما الصورة الأكثر إدهاشا فهي:
إما هادا كا يعطي
للبير العطشان يشرب…
إنها صورة شعرية مدهشة؛ فقد انقلبت الأدوار، وصار الإنسان يسقي البئر بدل أن يستقي منها. وهي استعارة عن الإنسان الذي يهدر عمره ومشاعره في علاقات وأوهام ومشاريع فقدت منذ زمن قدرتها على العطاء.
وفي المقطع التالي:
يالي عامل كيف الطير
عندو جنح وجنح لا.
يحضر الرمز الصوفي بقوة؛ فالطائر لا يطير إلا بجناحين، وهما هنا جناح العقل وجناح القلب، أو المادة والروح. وحين يفقد الإنسان أحد جناحيه، يظل عاجزا عن التحليق نحو حقيقته…..
أما خاتمة النص، فتشكل واحدة من أبلغ الحكم التي أنجبتها الأغنية الغيوانية:
فاين شفتي شي عنقود…
من شوك الطلح اتدلى…
ولا داك العود اليابس….
يعطي للناس الغلة….
إنها حكمة وجودية خالدة؛ فلا يمكن انتظار العنب من الشوك، ولا الثمار من شجرة يابسة. فالنتائج دائما من جنس المقدمات، والإنسان لا يحصد إلا ما زرع……
ومن منظور صوفي، يرمز (البير) أيضا إلى باطن الإنسان. فإذا جف القلب من المحبة والإيمان والحكمة، أصبح بئرا مهجورة لا تروي ظمأ أحد. والعطش هنا ليس عطش الماء، بل عطش المعنى والحقيقة والطمأنينة…..
ولا يمكن الحديث عن هذا العمل دون الوقوف بإكبار أمام مبدع كلماته، الزجال ميلود الرميقي، الذي يؤكد من خلال هذه القصيدة أنه من الأصوات الزجلية القادرة على تحويل الصورة الشعبية البسيطة إلى رؤية فلسفية وإنسانية عميقة..
لقد استطاع الرميقي أن ينهل من معين الحكمة المغربية ومن روح الزجل والتصوف، فقدم نصا مكثفا بالدلالات، بسيطا في لغته، عميقا في معانيه. وهي ميزة كبار الزجالين؛ أن يجعلوا من الكلمات اليومية أسئلة كونية حول الإنسان والوجود…..
إن قصيدة (البير) تكشف عن شاعر يمتلك حسا تأمليا كبيرا، وقدرة على بناء الرمز دون تعقيد أو افتعال. فالبئر عنده ليست مجرد بئر، بل هي صورة للعالم حين يفقد روحه، وللإنسان حين يصر على التشبث بالأوهام……
كما تجدر الإشادة بمجموعة لرصاد التي نجحت في احتضان هذا النص وإلباسه ثوبا غنائيا يليق بعمقه. فقد جاء الأداء مشحونا بالشجن، منسجما مع روح الكلمات، ليؤكد مرة أخرى أن الأغنية الغيوانية ليست فنا للترفيه فقط، بل هي فضاء للتأمل والسؤال وإعادة التفكير في مصير الإنسان……
إن (البير) أغنية عن العطش الوجودي الذي يسكن الإنسان منذ الأزل؛ عطشه إلى الحب، وإلى العدالة، وإلى الحقيقة. وهي في الوقت نفسه دعوة إلى التحرر من الأوهام، وإلى الكف عن انتظار الماء من الآبار الجافة….
فكم من آبار في حياتنا ما زلنا نقف عندها، نحمل دلاءنا كل صباح، رغم أننا نعلم في أعماقنا أنها جفت منذ زمن طويل. وهنا تكمن عظمة النص، وعظمة الزجال ميلود الرميقي، وعظمة التجربة الفنية لمجموعة لرصاد؛ إذ استطاعوا جميعا أن يحولوا صورة شعبية بسيطة إلى مرآة يرى فيها الإنسان ضعفه وطمعه وأحلامه المكسورة، وإلى حكمة خالدة تقول لنا:
لا تبحث عن العنب في شوك الطلح، ولا تنتظر الغلة من العود اليابس، ولا تهدر عمرك في الوقوف أمام بئر لم يعد في أعماقها سوى صدى عطشك.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى