الواجهةمجرد رأي

لا فصل بين الاخلاق العملية (احكام الإرث) و الاخلاق الكلية( القيم المرجعية).

امحمد الهلالي 

تابعت نقاشاً بين جامعيَيْن أحدهما يعاتب  الآخر على عدم تحوّطه في تناول تدريس نظام الإرث في مناهج التعليم ضمن حملة تقديح ممنهجة ضد تدريس التربية الإسلامية وسعي محموم للتقليص منها كما وتشويهها محتوى وتمييع قيمها ومضامينها مرة تحت مسمى التربية الدينية ليسهل بذلك الاستجابة لمطالب البعض في فسح المجال لتدريس الأديان الأخرى ولهم في ذلك مسوغات ومبررات لا تقف عند التسويغ الحقوقي والتأسيس المذهبي على مطالب الأقليات المستنبتة ولا تكتفي بتأويلات المغرضين الساعية إلى صهينة مفهوم أصيل وتاريخي ومؤسسة إسلامية عريقة وإعطائهما مدلاولات سياسية تجنح بها نحو الصهينة وتلقي بهما في أتون التهويد بعلة أن اليهود والمشركين هم من المؤمنين أيضاً ضمن سياق مؤمنون بلا حدود وعقائد بلا أسوار وأديان بلا فواصل ورؤى وجودية بلا ثوابت كل ما فيها متحول وسائل ومائع.
​وهالني أن يتمحل أستاذ جامعي وأكاديمي محترم ومتزن لكنه يقع في التطفيف والإخسار والاكتيال في أحايين كثيرة، كما في معرض رده الذي سقط في عملية شخصنة وذاتية وتسييس مفرط بلا موجب وذلك في معرض رده المشروع على نقاش فكري وثقافي وقيمي أشد مشروعية.
​لقد قرأت نقدا محكماً صحيح أنه يتسم بالقوة والصرامة، لكنه في الوقت ذاته أنيق في عبارته رشيق في لهجته وصادق في نصيحته وليس فيه مثقال ذرة من إساءة ولا خروج عن أدب الحوار وشروط المناقشة وضوابط الحوار والمناظرة بين الكبار كدأب صاحبه مع أصحابه ومخالفيه على السواء.
وفي المقابل تابعت نقدا للنقد متشنجا في رده طافحاً بالتحيز مكتنزاً بالشخصنة مشحوناً في لغته ضيقاً في أفقه مليئاً بكل أنواع التعالي والغرور والتقديح والتضايق.
​ظننت أن أساتذة العلوم الطبيعية والرياضيات على وجه الخصوص هم أحرص الناس على التشبث بتدريس نظام الإرث بوصفه أحد تطبيقات الدروس الرياضية وتجل من تجلياته القواعد المنطقية وتطبيقا من التطبيقات العنلية للأخلاق الكلية والقيم المجردة، وعين مجال تجريب منظومة الإسلام الأخلاقية وتنزيل قيمه العليا في حياة الناس التفصيلية وفي معاشهم اليومي، وأساس من أسس نظامه الاجتماعي القائم على المرحمة والتضامن والتكافل، لا أن نوفر المشروعية الاعتبارية والسند المعنوي لمن لا يكتفي بالمطالبة بحذفه من المقررات المدرسية وحسب، وإنما يُمنّي النفس بحذفه من حياة المسلم وإبعاده عن دائرة التشريع والتحاكم والاحتكام من منطق إعادة توزيع الثروة وتداولها حسب رؤية القرآن ومنطقه ونظامه، أو على الأقل خلق تنافر مفترض في المنظومة الأخلاقية كما في الحجرات وفي سائر آي القرآنية، وبين الأحكام العملية والقواعد التشريعية؛ ومنها أحكام وتشريعات الأسرة وتداول الثروة الواردة في آيات وأحكام الإرث والوصية والصدقة والإنفاق والزكاة وغيرها.
​ما زال ظني هو أن علماء العلوم التجريبية والإنسانية هم الأقدر على الانتقال بالأفهام من الأحكام الجزئية إلى الكليات المحكمة، ومن الأحكام العملية التفصيلية إلى المنظومات والنظريات والمقاصد العليا، وهو مجال الاختصاص الأساسي في مرحلتنا الراهنة، لا أن ينجروا إلى لغو الحديث ويسقطوا في فخاخ الكلام المهدور والقول الصحفي الفرجوي الذي لا يبني وعياً ولا ينتج معرفة بانية.
​بطبيعة الحال لا يمكن القبول بأي ازدراء أو تعريض بأي حكم شرعي أو شعيرة من شعائر الإسلام أو حرمة من حرماته حتى إن لم يكن هو مقصود المتكلم لكن السياق حمل القول على هذا الفهم لدى المتلقي.
​ولا حصانة لأحد ضد النقد العلمي والحوار الفكري دفاعاً ومدافعة عن دين الله بل هو واجب أخلاقي وشرعي وضميري وليس مصادرة ولا احتكاراً من أحد طالما أنه حق مشاع لكل الغيارى.
​وليس لأحد وقع في شيء مما ينتقص به من الاعتبار لقيم الإسلام وأحكامه وإن دون قصد إلا فضيلة التوضيح الرافع للبس والتراجع والأوبة إن كان في كلامه ما يُفهم منه الانتقاص والسخرية والازدراء لدين الله تعالى وثوابت مرجعية الإسلام.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى