
ذ. زهير أصدور
محام بهيئة الرباط
ردا على الأستاذ مصطفى الرميد: القانون لا يقرأ بنصفه… ونشره لا يحصنه من الاعتراض.
قرأت بتأن تدوينة الأستاذ مصطفى الرميد، وزير العدل والحريات الأسبق، بشأن استمرار توقف المحامين عن تقديم الخدمات المهنية.
وبما أنه دعا إلى نقاش هادئ وعقلاني، فلا أرى أفضل من أن يكون الجواب بالقانون، وبالقانون كاملا، بعيدا عن التجريح كما عن الانتقائية في قراءة النصوص.
نعم، المادة 50 من القانون رقم 66.23 تمنع المحامين من الاتفاق على التوقف كليا عن تقديم المساعدة الواجبة إزاء القضاء، وهو مقتضى كان له نظير في التشريع السابق.
لكن مجرد الاستناد إلى هذه المادة لا يكفي لإغلاق النقاش، ولا لتحويلها إلى جواب نهائي عن أزمة مهنية وتشريعية بهذا الحجم.
فالنقاش لا يتعلق فقط بمحامين اتفقوا، كل على حدة، على الامتناع عن العمل، وإنما نحن أمام موقف مهني جماعي اتخذته مؤسسات المحاماة في سياق اعتراض معلن على قانون ينظم المهنة نفسها، وعلى مقتضيات ترى فيها هذه المؤسسات مساسا باستقلالها وبشروط ممارستها وضماناتها.
ومن ثم، فإن السؤال القانوني لا يختزل في تلاوة المادة 50، وإنما يمتد إلى طبيعة القرار المهني، وحدود انطباق هذه المادة عليه، وعلاقتها باستقلال مؤسسات المحاماة وحقها في التعبير عن موقفها والدفاع عن المهنة.
ويمكن أن نختلف في الوسيلة، وفي مدى ملاءمة استمرار التوقف، وفي آثاره على المتقاضين، بل ويمكن أن نناقش ضرورة تطوير الأشكال الاحتجاجية أو مراجعتها، لكن ذلك شيء، والقفز من وجود المادة 50 إلى اعتبار كل موقف جماعي للمحامين غير مشروع، أو أن المؤسسات المهنية فقدت حقها في مواصلة الاعتراض بمجرد نشر القانون، شيء آخر تماما.
فالمادة 50 مقتضى من مقتضيات القانون، وليست القانون كله، ولا ينبغي أن تتحول إلى ستار يحجب أصل النزاع: هل القانون رقم 66.23، في صيغته المنشورة، استجاب فعلا لمتطلبات استقلال المحاماة وتطلعات أهلها، أم أن أسباب الاعتراض عليه ما تزال قائمة؟
كما أن القول إن المشروع خضع لتعديلات كثيرة لا يعني أن النص النهائي أصبح محصنا من النقد أو المراجعة. فالعبرة ليست بعدد التعديلات التي أدخلت عليه، وإنما بمضمون القانون الذي صدر، ومدى استجابته لمقتضيات استقلال المهنة، وشروط الولوج إليها، وضمانات ممارستها، وحدود تدخل السلطة الحكومية في شؤونها.
وأتفق مع الأستاذ الرميد في نقطة أساسية: كان من الضروري، وما يزال، أن تصدر المؤسسات المهنية بعد نشر القانون وثيقة جامعة ودقيقة تحدد المواد محل الاعتراض، وأسباب رفضها، والبدائل التشريعية المقترحة بشأنها. فوضوح المطالب يقوي الموقف المهني ولا يضعفه.
لكن أي قصور في التواصل، إن وجد، لا يعني غياب الاعتراضات القانونية، كما أن السب أو التجريح الصادر عن أفراد لا يمكن أن ينسب إلى آلاف المحامين ولا إلى مؤسساتهم.
أما أخطر ما ورد في التدوينة، فهو التخوف من أن تنظر المحاكم في القضايا الجنائية دون محامين، وأن يكتشف الناس إمكانية الاستغناء عن الدفاع.
وهنا ينبغي الاحتكام إلى القانون لا إلى التخوف.
ففي الحالات التي يجعل فيها القانون مؤازرة المحامي إلزامية، لا يؤدي غياب المحامي أو امتناعه إلى سقوط حق المتهم في الدفاع، بل تظل المحكمة مطالبة بضمان هذا الحق وفقا للمقتضيات المسطرية الجاري بها العمل.
فإذا أخل المحامي بالتزام قانوني، فإن ما قد يترتب عن ذلك يخص مسؤوليته هو، ولا يمكن أن يتحول إلى جزاء يسقط على المتهم حقا أصيلا من حقوق الدفاع.
أما القول إن توقف المحامين لا يضر الحكومة وإنما يضر المحامين وموكليهم، فهو تقييم لجدوى وسيلة احتجاجية، وليس قاعدة قانونية.
ومن المشروع أن نناقش نجاعة التوقف، ومدته، وكلفته، ونتائجه، بل وأن نختلف بشأن استمراره أو تطويره. لكن نقد الوسيلة لا يساوي سقوط القضية، كما أن الاختلاف حول شكل الاحتجاج لا يعني أن أسباب الاعتراض على القانون قد زالت.
فنشر القانون يمنحه القوة التنفيذية، لكنه لا يمنحه العصمة.
القوانين تعدل، وتتمم، وتنسخ، ومجرد صدورها في الجريدة الرسمية لا يجعلها فوق النقد أو المراجعة التشريعية.
وإذا كان الأستاذ الرميد نفسه يدعو إلى انتظار الحكومة المقبلة والتفاوض معها من أجل تعديل القانون، فإنه يقر، من حيث النتيجة، بأن صدوره لم يغلق الملف، وأن مراجعته تظل ممكنة ومشروعة.
وهنا يطرح السؤال ببساطة: كيف يصبح الاعتراض على القانون اليوم بلا معنى، ثم يصبح التفاوض على تغييره بعد تشكيل الحكومة المقبلة ذا معنى؟
أما وصف المرحلة الانتخابية بأنها «زمن ميت»، فهو توصيف سياسي لا أثر قانونيا له. بل قد تكون الانتخابات نفسها مناسبة لمساءلة الأحزاب والمرشحين عن مواقفهم من هذا القانون، ومدى استعدادهم للالتزام بمراجعته داخل المؤسسة التشريعية المقبلة.
ومن حق الأستاذ مصطفى الرميد أن يخالف قرار التوقف وأن يدافع عن موقفه، كما من حق المحامين أن يناقشوا اختياره وآثاره المهنية.
فالاختلاف حق، لكن قوة الموقف لا تستمد من اسم صاحبه أو صفته السابقة، وإنما من حجته وأساسه القانوني والمهني.
وأرفض بدوري كل سب أو تجريح في حق المخالفين، لأن المحاماة أكبر من معركة أشخاص، وأرفع من أن تختزل في تبادل الاتهامات.
نناقش الفكرة بالفكرة، والقانون بالقانون، والحجة بالحجة.
ومن حقنا أن نسائل قرار التوقف قانونيا، وأن نسائل المادة 50 تشريعيا ودستوريا، وأن نطالب بضمان حقوق المعتقلين والمتقاضين، وأن نستمر في المطالبة بتعديل القانون رقم 66.23 ولو بعد نشره ودخوله حيز التنفيذ.
فالخضوع للقانون لا يعني الصمت عن القانون.
وقد نختلف حول وسيلة المعركة، لكن لا ينبغي أن نخلط بين نقد الوسيلة وبين إعلان انتهاء القضية.
القانون صدر، نعم، لكن النقاش بشأنه لم ينته.
والمحاماة التي تعلم الناس كل يوم أن النصوص نفسها قابلة للمراجعة والتعديل والتصحيح، لن يقنعها أحد بأن قانونا، لمجرد نشره في الجريدة الرسمية، أصبح قدرا تشريعيا لا يراجع.





