همزة وصل :السيّد «فساد» يتألّق حين يصبح الفساد وجيهاً!

للسيد «فساد» حضور لافت في الحياة العامة؛ يمشي مرفوع الرأس، بكامل أناقته ووقاحته، لا يخشى نظرات المارة، ولا يبدو عليه أنه ارتكب خطأ قط. ينظر إليك بثقة ويسألك:
ـ آش عندك؟ شنو بغيتي؟ أنا السيد «فساد»، واش ما عرفتينيش؟
تقول له: يا سيدي، احترمنا قليلاً، واختفِ عن الأنظار!
فيبتسم ساخراً:
ـ غادي نديرها قدامك، واللي بغا يدير شي حاجة يديرها!فتعود إلى زاويتك الصحفية وتصرخ، بينما يواصل هو جولته مطمئناً؛ فهو يعرف أن الصراخ لا يخيفه ما دام لا يتحول إلى مساءلة.لا تستغرب إذا وجدته مدعواً إلى أهم المناسبات، جالساً في الصفوف الأمامية، يتلقى التحايا والمصافحات من أناس كانوا، قبل دقائق، يتحدثون عنه همساً بلغة مختلفة.ولا تستغرب إن اختارته، في حكايتنا الساخرة، مؤسسة تعاني اختلالاتٍ ما «شخصيةَ العام»، ثم قرأت في الصباح ثلاثة مقالات تشيد بحكمة الاختيار وعبقرية صاحبه!وقد تفاجأ بلوحة إعلانية ضخمة تدعوك إلى محاضرة بعنوان «النزاهة والأمانة في تدبير الشأن العام»، يؤطرها السيد «فساد» بنفسه.يا لها من ثقة! لم يعد الرجل يكتفي بممارسة ما يناقض المبادئ، بل قرر أن يدرّسها أيضاً، وربما يوزع شهادات المشاركة في نهاية المحاضرة!
السيد «فساد» رجل بألف قناع بارع في التنكر؛ قد يأتيك في بدلة أنيقة، أو بلحية طويلة، أو بوجه حليق، أو بقبعة عصرية. يتحدث أحياناً بلغة الحكامة، وأحياناً بلغة التدين، وأحياناً بلغة الحداثة. لكنه ينسى أن النزاهة لا تُقاس بالملابس، ولا بطول اللحية أو قصرها، بل بالسلوك والمواقف.وقد يظهر في هيئة مسؤول، أو فاعل جمعوي، أو خبير لا يعرف أحد كيف اكتسب خبرته، لكنه يتحدث بثقة من اكتشف أسرار الكون!أما في عالم المشاريع والصفقات، فقد يطلّ في صورة شركة حديثة الولادة، لم يجف حبر أوراق تأسيسها بعد، فإذا بها تدخل المنافسة وكأن المشروع ينتظرها منذ سنوات!وهنا تبدأ الأسئلة: ما معايير الاختيار؟ أين تكافؤ الفرص؟ وهل توجد معطيات واضحة تفسر القرار؟بالطبع، ليست كل شركة جديدة موضع شبهة، ولا كل نجاح دليلاً على فساد؛ لكن الشفافية تظل أفضل وسيلة لتبديد الشكوك، بدل مطالبة المواطنين بالتصفيق ثم الانصراف.الواسطة: الطريق السيار نحو الامتيازات ..في الطابور، يقف المواطن العادي منتظراً دوره، يحمل وثائقه ويتبع الإجراءات. أما السيد «فساد» فيعرف طريقاً مختصراً لا يظهر في الخرائط.وإذا سألته عن السر، أجابك ببساطة:
ـ عندي غير شي واحد كيعرف شي واحد!
وهكذا تصبح الواسطة، حين تتجاوز المساعدة المشروعة، أسرع من الاستحقاق، ويصبح القانون طابوراً طويلاً للبعض، وممراً جانبياً للبعض الآخر.والمصيبة أن بعض الناس لم يعودوا يستنكرون هذا السلوك، بل صاروا يعتبرونه «شطارة» و«قضاءً للغرض». وهنا يحقق السيد «فساد» أكبر انتصاراته: حين يتحول الخطأ إلى عادة، والاعتراض عليه إلى سذاجة!
حتى الثقافة والرياضة لهما نصيب! ..يحب السيد «فساد» المنصات والأضواء. في الثقافة، قد يفضّل العلاقات على الموهبة، وفي الرياضة قد يثير الغموض حول معايير الاختيار أو التدبير، وفي العمل الجمعوي قد يحاول تحويل التضامن إلى واجهة للمصالح الخاصة.لا يهمه كثيراً أن يكون الفنان موهوباً، أو الرياضي مستحقاً، أو المشروع نافعاً؛ ما يهمه أن تكون له كلمة في تحديد من يصعد إلى المنصة ومن يبقى في الظل.
لكن الإنصاف واجب: فليس كل قرار سيئ فساداً، ولا كل إخفاق مؤامرة. المطلوب هو فحص الوقائع، وتقديم الأدلة، ومساءلة المسؤولين عن قراراتهم بدل توزيع الاتهامات جزافاً.
فمدينة الجديدة، لا تحتاج إلى الأقنعة كما في غيرها، لا تكون مواجهة الفساد بإطلاق الأحكام على الأشخاص، بل بطرح الأسئلة الواضحة، ونشر المعلومات الموثقة، واحترام حق الرد، وتطبيق القانون على الجميع دون انتقائية..فالمدينة تحتاج إلى إعلام مهني لا يبيع المديح، ولا يحوّل النقد إلى تصفية حسابات؛ وإلى جمعيات تخدم المواطنين لا المصالح الضيقة؛ وإلى مؤسسات تجعل الشفافية قاعدة، لا مناسبة موسمية لالتقاط الصور.
أما السيد «فساد»، فإنه يفضّل الغموض، ويكره الوثائق، وينزعج من الأسئلة، لكنه يزدهر حين يصمت الناس، وتضعف الرقابة، ويصبح الاقتراب منه وسيلة لتحقيق المكاسب..للسيد «فساد» أمثال شعبية يحبها، من قبيل: «إذا سرقت، اسرق جملاً»، وكأن المشكلة ليست في السرقة، بل في حجم المسروق! ويبدو أنه لا يعترض على الفساد بقدر ما يعترض على أن يسبقه إليه شخص آخر..وقد يرتدي أفخم البدلات، ويجلس في أرقى المجالس، ويحظى بالتصفيق، لكن كل ذلك لا يحوّل الخطأ إلى صواب، ولا يمنح السلوك الفاسد شهادة حسن سيرة..إن أخطر ما يمكن أن يحدث ليس أن يظهر الفساد، بل أن يصبح مألوفاً؛ وأن يسخر الناس من النزاهة، ويعتبروا الالتزام بالقانون ضعفاً، ويبحثوا عن نصيبهم من الغنيمة بدل المطالبة بحقهم المشروع.
فحين يفسد السلوك ثم يسود، نكون أمام أخطر الانتصارات: أن يفسد… فيَسود!ومع ذلك، لن يكون السيد «فساد» أقوى من الجميع ما دامت هناك مؤسسات شفافة، وإعلام مسؤول، ومواطنون يرفضون شراء صمتهم، وأناس يؤمنون بأن النزاهة ليست سذاجة، وأن احترام القانون ليس خياراً انتقائياً..أما هو، فسيظل يتألّق ما دام يجد من يفرش له السجاد الأحمر، ومن يصفق له في العلن، ثم يهمس بحقيقته في السر… قبل أن يطلب موعداً جديداً للقائه غداً!
انتهى المقال… أما السيد «فساد»، فيبدو أنه لا يزال لديه اجتماع مهم!





