وهبي يضع كرامة المعتقل أمام ضمير العدالة.. كيف يدافع متهم عن نفسه أمام القاضي وبطنه خاوية ؟
بقلم: خطوط النواصر

في لحظة سياسية ومؤسساتية تستدعي التوقف والتأمل أعاد وزير العدل السيد عبد اللطيف وهبي طرح واحد من الأسئلة الجوهرية التي تمس عمق العدالة الإنسانية داخل المحاكم المغربية وهو سؤال لا يتعلق فقط بالتدبير الإداري أو بتنظيم الجلسات بل يرتبط بكرامة الإنسان وحقه في الدفاع عن نفسه في ظروف تحفظ سلامته الجسدية والنفسية.
وخلال اجتماع لجنة العدل والتشريع وحقوق الإنسان والحريات بمجلس النواب يوم الأربعاء 4 نونبر 2026 أثار وهبي إشكالية بقاء بعض المعتقلين داخل المحاكم لساعات طويلة دون تناول الطعام بعدما يتم نقلهم منذ الساعات الأولى من الصباح وقد تمتد فترة انتظارهم إلى نهاية الجلسات خصوصا في القضايا الجنائية التي تستغرق مناقشتها وقتا طويلا.
وطرح وزير العدل تساؤلا يحمل دلالات عميقة حول الكيفية التي يمكن بها لمعتقل قضى يوما كاملا دون غذاء أن يتحدث أمام القاضي وأن يقدم تصريحاته وأن يناقش التهم الموجهة إليه وأن يمارس حقه في الدفاع عن نفسه وهو يعاني الجوع والإرهاق.
وتزداد خطورة هذه الوضعية عندما يتعلق الأمر بأشخاص يعانون أمراضا مزمنة وفي مقدمتها داء السكري حيث إن تأخر تناول الطعام قد يضع صحتهم أمام مخاطر لا ينبغي الاستهانة بها.
إن العدالة في مفهومها المؤسساتي الرفيع لا تقاس فقط بصدور الأحكام أو بانعقاد الجلسات بل تقاس أيضا بمدى احترام الكرامة الإنسانية وضمان الشروط الضرورية لممارسة حقوق الدفاع في ظروف سليمة.
فالمتهم يظل إنسانا له حقوقه المكفولة قانونا ولا يجوز أن تتحول ظروف نقله أو انتظاره داخل المحكمة إلى عبء إضافي يمس صحته أو يضعف قدرته على التواصل مع هيئة الحكم أو محاميه.
وفي هذا السياق كشف وهبي أن الوزارة خصصت غلافا ماليا قدره 70 مليون درهم لتوفير التغذية للأشخاص الموضوعين تحت الحراسة النظرية بمقرات الشرطة بعد إصدار مرسوم وتنظيم طلب عروض لتولي شركة مهمة توفير الوجبات.
غير أن الوزير أثار في المقابل الحاجة إلى معالجة إشكالية التغذية بالنسبة للمعتقلين الذين يقضون ساعات طويلة داخل المحاكم في انتظار عرض قضاياهم على أنظار القضاء.
كما تطرق إلى أهمية توفير الخدمات الطبية داخل المحاكم مستحضرا الحالات الصحية الطارئة التي قد يتعرض لها المعتقلون أو المواطنون أو العاملون بالمؤسسات القضائية وأشار إلى إحداث هذه الخدمة بعدد من محاكم الاستئناف من بينها الرباط وأكادير وطنجة والدار البيضاء مع الإعداد لتوسيع التجربة.
إن هذا النقاش يفتح الباب أمام مسؤولية مؤسساتية تتطلب تنسيقا فعالا بين مختلف الجهات المعنية من أجل وضع ترتيبات عملية تضمن توفير وجبات غذائية للمعتقلين خلال فترات الانتظار الطويلة مع مراعاة الحالات الصحية الخاصة وتوفير التدخل الطبي عند الضرورة.
فالعدالة التي تصون حقوق الإنسان لا تنظر إلى المتهم من زاوية الاتهام وحدها بل تستحضر قرينة البراءة والحق في الدفاع والكرامة الإنسانية باعتبارها ضمانات أساسية لا تستقيم المحاكمة العادلة من دونها.
إن السؤال الذي طرحه وزير العدل يستحق أن يتحول إلى ورش عملي واضح المعالم حتى لا يجد أي معتقل نفسه مضطرا إلى مواجهة جلسة قضائية طويلة في ظروف الجوع والإنهاك.
فهيبة العدالة لا تكتمل فقط بقوة القانون بل تكتمل أيضا بإنسانية تطبيقه. وكرامة الإنسان تظل فوق كل اعتبار لأن الحق في الدفاع لا ينبغي أن يكون مجرد نص قانوني بل ممارسة فعلية تحفظ للإنسان صوته وحقه وكرامته.





