“تليكس شرح ملح : المشهد الثقافي بالجديدة.. واقع مأزوم وآفاق غائبة”

إن المتتبع للمشهد الثقافي الراهن بمدينة الجديدة وما أنجزته الفعاليات الثقافية على مر العقود، لا يسعه إلا أن يشعر بالحزن والأسى لما آلت إليه أوضاع الثقافة في مدينتنا. فقد كانت الجديدة دائمًا في طليعة الحضور الثقافي، منارةً للإبداع ومنطلقًا للمعارف والفنون، وفضاءً يلتقي فيه المثقفون من مختلف المشارب، عربيًا ودوليًا. غير أن المشهد الثقافي في عهدكم يشهد تراجعًا ملحوظًا، بل فقد للأسف الشديد مكانته المتميزة التي لطالما تميز بها.
إن هذا التراجع، في نظري، نتيجة طبيعية لغياب رؤية واضحة من قبل الفعاليات الثقافية والجهات المسؤولة عن بلورة منظومة ثقافية متماسكة. فالمشهد الثقافي بالجديدة يُعدّ رافدًا أساسيًا للتنمية، يمدها بالأفكار والتصورات الخلاقة، ويطرح البدائل الكفيلة بإحداث تغيير إيجابي. كما أن الثقافة تواكب الحركية المجتمعية وتسهم في إثراء النهضة الفكرية.
غير أن هذا لا يتحقق إلا من خلال فعاليات فاعلة تعنى بالمجال الثقافي، وتحرص على تعزيز الجهود الجماعية ودعم المشتغلين في هذا القطاع، مع الحرص على مواكبة تطلعات المنتخبين والمجتمع على حد سواء. فما الذي أدى إذن إلى انزياح المشهد الثقافي نحو الهامش، وإلى انعزاله عن المجتمع ومؤسساته؟ وكيف أصبح عاجزًا عن خلق أسس جديدة للوعي، مكتفيًا بالاتكاء على إرث الأجيال السابقة وما أنجزوه خلال مراحل التأسيس؟
لقد أصبحت الثقافة اليوم رهينة دواليب البيروقراطية، وغدت الخاسر الأكبر في خضم الصراع على المناصب والامتيازات. ولا يمكن لأي مشهد ثقافي أن ينهض إلا إذا كان له حضور فعلي على أرض الواقع، فالكلمة لا قيمة لها إن لم تجد من يصغي إليها، واللوحة الفنية تظل بلا معنى إن لم تعكس ذاكرة المجتمع، والفكرة المتألقة تفقد قيمتها إن لم تتجسد في بناء ثقافة متجددة.
إن الفعل الثقافي ليس مجرد إنتاج للكتب وتنظيم للمعارض، بل هو حراك تنموي متكامل، قائم على التفاعل بين الجهات المسؤولة، والمؤسسات الثقافية، والمبدعين، والمجتمع ككل. والفعاليات الثقافية وجدت لتقديم أفكار ومشاريع قادرة على تحقيق الحضور والتألق، من أجل مواكبة التطور المعرفي وإمداد المسؤولين والمجتمع بأدوات النهضة والتقدم، بما يسهم في اقتحام ميادين التنمية بمختلف أبعادها.
وعليه، فإن جوهر المشكلة يتطلب تدخلاً عاجلًا وإرادةً حقيقية لإعادة الاعتبار للمشهد الثقافي بالجديدة، ليعود إلى سابق عهده، منارةً للإبداع ورمزًا للتنوير الفكري.





