مجرد رأي

أخاف على المراسل الصحافي.. بين الحياد الهش والتردد المؤلم

أخاف على المراسل الصحافي الذي يبقى مترددًا في اتخاذ موقفه، كأنه لباس يتغيَّر بحسب الأحداث. تجده ساعة مع الموقعين على كل العرائض، وساعتين مع الرافضين لكل شيء، لا يملك قناعات صلبة، ولا يحمل شعلة الحقيقة التي تضيء طريقه.
أخاف على ذلك المراسل الذي يبتلع لغة الحقيقة خوفًا من الخطوط الحمراء والوصمات، الذي يختبئ خلف ستار السلامة الشخصية دون شجاعة لتحمل مسؤولية الكلمة، يدور في دوائر الخوف من نفسه، قبل أي شيء آخر.

أخاف على الصحافي الذي لم يكن يوما صحافيًا بحق، لكنه وجد نفسه بين الصفحات والكاميرات صدفة أو قدرية، يعمل بلا حب ولا شغف، يعبث في الكلمات كما يعبث طفل في لعبة لا يفهم قواعدها، ينفق جهده بلا أمل حقيقي ولا رؤية واضحة.

أخاف على من لا يضبط لغته، فيصبح كمن يلعب كرة بلا هدف، يضيع الفرص ويخسر ثقة الجمهور، فلا صوت له وسط زوبعة المهاجمين ولا جمهور له سوى التصفير.

أخاف على المراسل الذي يبيع ضميره بأبخس الأثمان، يتغير بتغير الأضواء، يتبدل حسب من يدفع أكثر، ولا تثنيه نظرات الاستهجان أو الاتهام. هذا المراسل الذي يسكب إبداعه في قوالب مصلحة ضيقة، ينتج كلمات مسمومة لا تُسمن ولا تُغني من جوع، لا يملك خارطة ولا هدفا، يركن لرأي زوجته أو أصدقائه، ثم يندهش من بعدم تقبل الناس له.

أخاف على الصحافي الذي يدّعي امتلاك مصادر معلومات حصرية، لكن في النهاية ينكشف أن مصدره واحد، وهو من يغذي نفسه بنفسه، فتصبح أخباره تكرارا مكررا لا جديد فيه.

أخاف على المراسل الذي يتحدث بلغة البطل الشجاع، لكنه فعلاً جبان، يتهرب من المواجهة ويختبئ خلف الكلمات الفارغة والوعود الكاذبة، يكتب ويلهث، ثم يختفي في الظل خوفًا من الحساب.

في زمن نحتاج فيه للصحافي الحقيقي المشبّع بالمسؤولية والوعي، أخاف على هؤلاء الذين باعوا مهنتهم وهم لا يعلمون، أولئك الذين يفسدون سمعة الصحافة، ويضعون حواجز بين الحقيقة والجمهور.

في النهاية، المراسل الصحافي لا يجب أن يكون رقيبًا على نفسه، ولا عبدًا لمصالح ضيقة، بل حارسًا للحق، صوتًا للضعفاء، عينًا ساهرة على العدالة والشفافية. عليه أن يفخر بمهنته، ويؤديها بشرف، بدلاً من أن يكون خائفًا منها.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى