همزة وصل : كرة القدم بالمشي.. حين يتحول «الاعتماد» إلى لغز إداري.. من يمنح الترخيص؟ ومن يحدد التكلفة؟

كرة القدم بالمشي بين هوس “الاعتماد” واستفسارات التكلفة..
من يمنح الترخيص وما هي المساطر؟
يتداول البعض أرقاماً ومبالغ مالية ترتبط بتأسيس وإعداد ملف الاعتماد، من قبيل تخصيص مبلغ 1250 درهماً للاعتماد نفسه، ومبلغ 700 درهم كأتعاب للمحاسب المخاطب بالمهمة. هل هذه المبالغ والرسوم محددة بنصوص تنظيمية ورسمية أم إنها مجرد مصاريف وأجتهادات تجارية ومصاحبة إدارية فرضها التعامل مع المكاتب الخاصة؟
لم تعد كرة القدم بالمشي، أو ما يعرف بـWalking Football، مجرد ممارسة رياضية ترفيهية عابرة في عدد من مناطق دكالة، بل أصبحت تستقطب اهتمام جمعيات وفعاليات مدنية تسعى إلى تنظيمها وتأطيرها وإدماج فئات عمرية مختلفة في نشاط يجمع بين الحركة والمتعة والحفاظ على اللياقة البدنية. غير أن هذا الاهتمام المتزايد يصطدم، بحسب عدد من الفاعلين، بسؤال يبدو بسيطاً في ظاهره، لكنه يحمل الكثير من التعقيدات في تفاصيله: من يمنح الاعتماد لممارسة كرة القدم بالمشي؟
السؤال لا يتعلق هنا برغبة جمعية في الحصول على وثيقة إدارية فحسب، وإنما يتعلق بمنظومة كاملة من القواعد والمساطر والاختصاصات والتكاليف التي يفترض أن تكون واضحة أمام كل جمعية قبل أن تبدأ إجراءاتها.
ففي الوقت الذي يتحدث فيه البعض عن ضرورة الحصول على «اعتماد» لممارسة هذا النشاط، يظل السؤال قائماً حول الطبيعة القانونية الدقيقة لكرة القدم بالمشي، وحول ما إذا كانت تخضع بالضرورة للمقتضيات نفسها التي تنظم الرياضات التنافسية التقليدية، أم أن خصوصيتها باعتبارها ممارسة حديثة، وفي حالات كثيرة ترفيهية وصحية، تستوجب قراءة قانونية وتنظيمية أكثر دقة.
والأكثر إثارة للانتباه هو أن النقاش لم يعد مقتصراً على سؤال قانوني، بل دخلت فيه أيضاً أرقام مالية يتم تداولها بين الفاعلين. فهناك من يتحدث عن مبلغ في حدود 1250 درهماً مرتبطاً بالاعتماد، فيما يتم الحديث كذلك عن مبلغ يقارب 700 درهم كأتعاب للمحاسب أو للمواكبة المرتبطة بالملف.
وهنا تحديداً يبدأ السؤال الحقيقي: هل نتحدث عن رسوم رسمية تفرضها الدولة أو جهة رياضية بموجب نص قانوني واضح، أم عن مصاريف خدمات تقدمها مكاتب أو أشخاص لفائدة الجمعيات؟
الفرق بين الأمرين ليس تفصيلاً بسيطاً. فإذا كان مبلغ معين رسماً رسمياً، فمن حق الجمعية أن تعرف الجهة التي تستوفيه، والسند القانوني الذي يحدده، وطريقة أدائه، وما إذا كان إلزامياً على جميع الجمعيات المعنية. أما إذا كان الأمر يتعلق بأتعاب مكتب أو محاسب أو مستشار، فإن الأمر يدخل في إطار خدمة خاصة لا ينبغي تقديمها للجمعية باعتبارها «رسماً» مفروضاً عليها من الإدارة.
ومن هنا تبرز الحاجة إلى وضع النقاط على الحروف، خصوصاً أن الغموض في مثل هذه الملفات يمكن أن يجعل الجمعية أمام مسار إداري غير واضح، وربما يدفعها إلى الاستعانة بوسطاء ومكاتب لإعداد وثائق لا تعرف في الأصل هل هي إلزامية أم لا.
والسؤال الأكثر إلحاحاً: إذا كانت هناك مسطرة قانونية موحدة للحصول على الاعتماد، فلماذا لا تكون هذه المسطرة منشورة بشكل واضح ومتاح للجميع؟ ولماذا لا يتم تحديد الوثائق المطلوبة، والجهة المختصة، والرسوم الرسمية، والآجال، ومراحل دراسة الملف، في وثيقة إدارية واضحة يمكن لكل جمعية الرجوع إليها؟
إن الحديث عن الحكامة والشفافية في تدبير الشأن الجمعوي لا يمكن أن يظل شعاراً عاماً. فالجمعيات، خصوصاً الصغيرة والمحلية منها، لا تتوفر دائماً على موارد مالية أو خبرات قانونية وإدارية كبيرة، وأي غموض في المساطر قد يتحول إلى تكلفة إضافية أو إلى عائق أمام مبادرات يفترض أن يتم تشجيعها.
وفي حالة كرة القدم بالمشي، تزداد الحاجة إلى هذا الوضوح بسبب طبيعة النشاط نفسه. فنحن أمام ممارسة حديثة نسبياً، تختلف في أهدافها وفئاتها المستهدفة عن كرة القدم التنافسية المعروفة. ولذلك فإن وضعها داخل قالب قانوني جاهز دون تحديد دقيق لطبيعتها قد يفتح الباب أمام تأويلات متباينة.
هل كل جمعية تمارس كرة القدم بالمشي مطالبة بالاعتماد الرياضي نفسه الذي تحتاجه جمعية تمارس رياضة تنافسية؟ وهل ممارسة النشاط الترفيهي والصحي تعني بالضرورة الخضوع للمقتضيات نفسها؟ وهل هناك جامعة رياضية وطنية مختصة بهذا النوع من الممارسة؟ وإذا لم تكن هناك جهة جامعية وصية بشكل واضح، فمن يتحمل مسؤولية منح الاعتماد أو الترخيص؟
هذه ليست أسئلة نظرية، بل أسئلة عملية تهم جمعيات حقيقية وأشخاصاً يريدون الاشتغال في إطار القانون.
والأغرب أن النقاش حول الاعتماد يبدو أحياناً وكأنه أصبح غاية في حد ذاته، بينما يفترض أن يكون الاعتماد، إن كان مطلوباً قانوناً، مجرد وسيلة لتنظيم النشاط وضمان احترام القواعد وحماية الممارسين.
فالرياضة لا ينبغي أن تتحول إلى متاهة إدارية، والجمعية لا ينبغي أن تجد نفسها مضطرة إلى دفع مبالغ مختلفة فقط لأنها لا تعرف من أين تبدأ أو إلى من تتوجه.
إن المطلوب اليوم من الجهات المختصة ليس فقط مطالبة الجمعيات باحترام القانون، وإنما شرح القانون للجمعيات أيضاً. فالمسؤولية لا تقع على عاتق الفاعل الجمعوي وحده؛ بل إن وضوح الإدارة في تحديد المساطر والاختصاصات والتكاليف جزء أساسي من الحكامة الجيدة.
وفي دكالة، حيث تتوسع المبادرات الجمعوية والرياضية، يبدو أن الوقت قد حان لفتح نقاش جدي حول مستقبل كرة القدم بالمشي، ليس بمنطق الصراع بين الجمعيات والإدارة، وإنما بمنطق الوضوح والمسؤولية.
فإذا كان الاعتماد إلزامياً، فليُعلن سنده القانوني بوضوح. وإذا كان هناك رسم رسمي، فليُكشف عن أساسه وقيمته والجهة التي تستوفيه. وإذا كان مبلغ 1250 درهماً مجرد تكلفة لخدمة أو مواكبة، فليتم توضيح ذلك حتى لا تختلط الرسوم الرسمية بالأتعاب الخاصة. وإذا كان مبلغ 700 درهم يتعلق بالمحاسبة أو بخدمة مهنية، فينبغي أيضاً أن يقدم باعتباره أتعاباً مقابل خدمة، وليس باعتباره شرطاً إدارياً مفروضاً دون سند.
والأهم من كل ذلك أن تكون هناك مسطرة موحدة، بسيطة ومعلنة، يمكن لأي جمعية أن تحصل عليها دون الحاجة إلى البحث بين المكاتب أو الأشخاص أو الروايات المتناقضة.
إن الكرة اليوم ليست في ملعب الجمعيات وحدها. الكرة، بالمعنى الإداري والقانوني، أصبحت أيضاً في ملعب الجهات الوصية التي يفترض أن تقدم جواباً واضحاً للرأي العام والفاعلين المعنيين.
فهل هناك فعلاً «اعتماد» خاص بكرة القدم بالمشي؟ ومن الجهة التي تمنحه؟ وما هو النص القانوني الذي يؤطره؟ وهل مبلغ 1250 درهماً رسم رسمي أم مجرد تكلفة لخدمة؟ وماذا عن مبلغ 700 درهم المتداول بخصوص المحاسب أو المواكبة؟
أسئلة بسيطة في ظاهرها، لكنها تحتاج إلى أجوبة رسمية لا إلى روايات متداولة.
وإلى أن تأتي تلك الأجوبة، سيظل السؤال مفتوحاً في دكالة: هل نحن أمام مسطرة قانونية واضحة لتنظيم رياضة جديدة، أم أمام «هوس بالاعتماد» جعل بعض الجمعيات تبحث عن باب لا تعرف بالضبط أين يوجد، ولا من يملك مفتاحه، ولا كم تبلغ تكلفة فتحه؟





