أخبار الرياضةأخبار وطنيةالواجهة

عندما يمتطي المحلل الرياضي العربي حمار المال، يصبح الضمير في إجازة مدفوعة الأجر

من خلال قراءة بسيطة لواقع بعض المحللين الرياضيين في العالم العربي والذين يبدو أنهم اكتشفوا أخيراً وصفة الشهرة السريعة، حيث لا داعي للتحقيق ولا للبحث، بل يكفي توجيه السهام صوب المغرب صباحاً ومساءً بانتظار مكافأة نهاية الشهر.

وفي هذا السوق الصاخب، لم تعد الحقيقة هي البضاعة الأكثر طلباً بل غدت الضحية الأولى، بينما تُقدم الأكاذيب في علب أنيقة تحمل عبارة تحليل حصري، ومضمونها لا يتجاوز إعادة تدوير الإشاعات نفسها بقليل من الانفعال وكثير من التمثيل …

ولو أن جزءاً من الأموال التي تُصرف على هذه الحملات الإعلامية الموجهة وُجِّه إلى مشاريع تنموية، أو إلى تحسين الخدمات الأساسية، أو توفير الماء الصالح للشرب، ودعم الشباب الباحث عن فرص عمل، لكان ذلك أكثر فائدة من تمويل منصات لا تحارب إلا الوقائع الناصعة.

والأطرف من ذلك، أن بعض هؤلاء يغيرون قناعاتهم بالسرعة نفسها التي تتغير بها أسعار العملات؛ فإذا ارتفع السعر ارتفعت معه نبرة الغضب، وإذا انخفض عادوا ليتحدثوا عن المهنية والحياد، حتى أصبح المشاهد يتساءل إن كان يتابع برنامجاً رياضياً أم نشرة لأسعار المواقف في البورصة.

والعجيب أيضاً أن هؤلاء يمتلكون قدرة خارقة على رؤية كل صغيرة وكبيرة في المغرب، لكنهم يصابون بفقدان بصري مفاجئ عندما يتعلق الأمر بمشكلات بلدانهم، فالأزمات الاجتماعية لديهم خارج التغطية، والإخفاقات الرياضية تُعزى لعطل تقني، في حين يظل المغرب هو العدسة الوحيدة التي تعمل لديهم بدقة فائقة وعلى مدار الساعة، ليشبهوا في ذلك رجل الإطفاء الذي يترك منزله يحترق ويركض لإقناع الجيران بأن الدخان المتصاعد من بيوتهم هو الأخطر. وفي عالم هؤلاء، لم يعد النجاح نتيجة عمل واجتهاد، بل أصبح مؤامرة، وكل إنجاز مغربي يحتاج في نظرهم إلى عشرات الفيديوهات لتفسيره بالخيال الواسع الذي لا تحده حدود بدل الوقائع الدامغة.

إن الإعلام الحقيقي لا يُقاس بالصراخ ولا بكمية الشتائم، بل يُبنى على المعلومة ويُقاس بالمصداقية، ومن يقرر جعل ميكروفونه للإيجار عليه أن يدرك أن الجمهور قد يُخدع مرة لكنه لا يمنح ثقته للأبد.

ويبقى السؤال الذي لا يحتاج إلى محلل هو : إلى متى سيظل هؤلاء يعتبرون مهاجمة المغرب مشروعاً استثمارياً أكثر ربحاً من معالجة قضايا مجتمعاتهم؟

لقد علمنا التاريخ أن الضجيج قد يحجب الصوت لبعض الوقت لكنه لا يحجب الحقيقة، وأن المال قد يشتري مساحة على الشاشة أو منصات التواصل لكنه لا يشتري احترام الناس، فالحقائق لا تُهزم بالصراخ والإنجازات لا تُمحى ببرامج موسمية، ومن يبيع مواقفه اليوم سيكتشف غداً أن بضاعته أصبحت كاسدة ولم يعد لها مشترٍ في سوق القيم.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى