*بين مطرقة الغلاء وسندان جمود الأجور: المواطن في مواجهة الدعم الباهت وإقصاء الطبقات*

يواجه المواطن اليوم واقعاً معيشياً ضاغطاً يفرضه الارتفاع المهول في أسعار المواد الأساسية والخدمات، وهو ارتفاع بات يلتهم القدرة الشرائية للأسر ويضعها في مواجهة يومية مع متطلبات الحياة الأكثر إلحاحاً. هذا الغلاء المتصاعد لم يعد مجرد موجة عابرة أو تضخم مؤقت، بل تحول إلى أزمة هيكلية خانقة تؤثر بشكل مباشر على السلم الاجتماعي والاستقرار النفسي للمواطنين، الذين يجدون أنفسهم مضطرين لإعادة ترتيب أولوياتهم، والتخلي عن الكثير من الضروريات لصالح تأمين لقمة العيش الحد الأدنى.
أمام هذا الوضع المقلق، جاءت التدابير والحلول التي قدمتها الدولة دون مستوى التوقعات وحجم الأزمة؛ حيث اتسم الدعم الموجه للفئات الهشة بالضعف والقصور، ولم يتجاوز كونه مسكنات موضعية لا تغني ولا تسمن من جوع في ظل قفزات الأسعار المتتالية. هذا الدعم الباهت، رغم رمزيته، لم ينجح في خلق شبكة أمان حقيقية تحمي العائلات المعوزة من شبح الفقر المدقع، بل تركها تكابد وحيدة أمام جشع الأسواق وغياب آليات المراقبة الصارمة التي من شأنها كبح جماح هذا الارتفاع غير المبرر في كثير من الأحيان.
ولم تتوقف الأزمة عند ضعف الدعم فحسب، بل امتدت لتشمل اختلالات عميقة في منظومة الاستهداف، حيث وجدت طبقات اجتماعية واسعة نفسها خارج دائرة الاهتمام والمساعدة. هذه الفئات، التي تصنف غالباً ضمن الطبقة المتوسطة أو الدخل المحدود غير المشمول برعاية البرامج الاجتماعية، أصبحت الضحية الصامتة لهذه الأزمة؛ فهي لا تملك الموارد الكافية لمواجهة الغلاء، وفي الوقت نفسه لا تستفيد من أي دعم حكومي يخفف عنها العبء، مما ينذر بتآكل هذه الطبقة وانزلاقها تدريجياً نحو حافة الهشاشة.
وما يزيد الطين بلة ويجعل المعادلة المعيشية مستحيلة الحل، هو الجمود التام الذي تشهده الأجور منذ سنوات. فبينما تقفز الأسعار بسرعة الصاروخ، تظل الرواتب والمداخيل ثابتة في مكانها، مما أحدث فجوة سحيقة بين ما يتقاضاه المواطن وما يتطلبه العيش الكريم. إن هذا التباين الصارخ بين مؤشر الأسعار المتصاعد ومؤشر الأجور الراكد يمثل لب الأزمة الحالية، إذ لا يمكن الحديث عن توازن اقتصادي أو اجتماعي في ظل تغييب الملاءمة المستمرة بين الأجور وتكلفة المعيشة، مما يستدعي مراجعة جذرية ومستعجلة للسياسات الاقتصادية والاجتماعية المعتمدة.





