مجرد رأي

كرة القدم بالمشي ليست ملكًا لأحد. إنها ملك لكل من يؤمن بأن الإنسان يستطيع أن يواصل العطاء مهما تقدم به العمر

كرة القدم بالمشي بين رسالة الرياضة وصراعات الأشخاص

هل نحن نخدم كرة القدم بالمشي، أم أصبحنا نستخدم كرة القدم بالمشي لخدمة صراعاتنا؟

نحن ونحن… قبل أن نتحدث عن الآخر

كرة القدم بالمشي لم تولد لكي تكون ساحة للصراع، ولا لكي تتحول إلى مجال لتصفية الحسابات أو التنافس على المواقع والصفات. ولدت، في جوهرها، بفكرة إنسانية ورياضية بسيطة: أن تظل كرة القدم مفتوحة أمام الإنسان حتى عندما تتغير قدرته على الجري، وأن تمنح كبار السن فرصة للحركة واللقاء والانتماء والاستمرار في العطاء.لكن السؤال الذي يفرض نفسه اليوم، أمام ما يطفو على السطح من خلافات وتوترات داخل مشهد كرة القدم بالمشي بالمغرب، هو: ماذا يحدث عندما ننسى لماذا بدأنا؟لقد دخلت كرة القدم بالمشي المغرب وهي تحمل معها رسالة جميلة: الرياضة للجميع، والسن ليس حاجزًا أمام المشاركة، والملعب يمكن أن يكون فضاءً للصداقة والصحة والتواصل والتضامن. ومع مرور الوقت، بدأت هذه الممارسة الرياضية تجد لنفسها مكانًا داخل المشهد الرياضي، وظهرت فرق وجمعيات ومبادرات ومسابقات، وأصبح لها جمهور وممارسون وطموح مشروع في أن تتطور وتتوسع.وهذا التطور في حد ذاته أمر إيجابي.لكن كلما اتسع المجال، ظهرت معه أسئلة أكبر حول التنظيم، والتمثيلية، والمرجعيات، والقواعد، ومن يملك حق الحديث باسم هذه الرياضة، ومن يتحمل مسؤولية تطويرها، وكيف يمكن تدبير الاختلافات بين الفاعلين فيها.وهنا بالضبط ينبغي أن نتوقف.فالمشكل ليس في وجود الاختلاف. الاختلاف طبيعي، بل قد يكون ضروريًا لتصحيح المسار. المشكل يبدأ عندما يتحول الاختلاف من نقاش حول مستقبل الرياضة إلى صراع بين الأشخاص، ومن اختلاف في الرؤية إلى تبادل الاتهامات، ومن التنافس الرياضي إلى معركة حول من يمثل ومن يقود ومن يملك الشرعية.عندها نكون قد انتقلنا من كرة القدم بالمشي إلى شيء آخر لا علاقة له برسالتها الأصلية.ولعل أخطر ما يمكن أن يحدث لرياضة ناشئة هو أن تستهلك طاقتها في الصراعات الداخلية قبل أن تبني مؤسساتها وقواعدها ومستقبلها.فبدل أن ينشغل الفاعلون بتوسيع قاعدة الممارسين، وتكوين المؤطرين والحكام، وتوفير فضاءات مناسبة، وتنظيم مسابقات منتظمة، واستقطاب كبار السن، وإدماج النساء، وتطوير العلاقات مع المؤسسات الرياضية، نجد أنفسنا أحيانًا أمام نقاشات حادة حول الأشخاص والصفات والمواقع والتمثيلية.وهنا يصبح السؤال مشروعًا:لا أحد فوق النقد، ولا مؤسسة أو جمعية أو مسؤول ينبغي أن يكون بمنأى عن المساءلة والنقاش. لكن النقد شيء، والتشهير شيء آخر.والاختلاف في الرأي شيء، وتحويل الخلاف إلى خصومة شخصية شيء آخر تمامًا.إن من حق أي فاعل رياضي أن يسأل عن طريقة التدبير، وأن يطالب بالوضوح، وأن يناقش القوانين، وأن يعترض على قرار لا يراه مناسبًا. ومن حق الطرف الآخر أن يقدم توضيحاته وحججه. هكذا تبنى المؤسسات.أما عندما يصبح النقاش قائمًا على الأشخاص بدل الأفكار، وعلى التشكيك بدل الوثائق، وعلى الانفعال بدل الحوار، فإن الجميع يخسر، وتكون كرة القدم بالمشي هي الخاسر الأكبر.والأخطر من ذلك أن الصراعات الداخلية عندما تنتقل إلى وسائل التواصل الاجتماعي تصبح أكبر من حجمها الحقيقي. كلمة تكتب في لحظة غضب قد تتحول إلى موقف عام، ومنشور قد يشعل خلافًا بين أشخاص كانوا بالأمس زملاء في الملعب، ومقطع قصير قد يحول نقاشًا رياضيًا إلى معركة مفتوحة.وهنا تبرز مسؤولية الفاعل الرياضي والإعلامي معًا.ليس كل ما نعرفه يجب أن ننشره، وليس كل خلاف يستحق أن يتحول إلى قضية رأي عام، وليس كل اختلاف يحتاج إلى جمهور وصفحات وتعليقات. أحيانًا يكون أقوى موقف هو الجلوس حول طاولة واحدة، بعيدًا عن الهواتف والكاميرات، والحديث بوضوح عن المشكل..وإذا كان لا بد من منافسة، فلتكن منافسة في عدد الفرق، وفي جودة التنظيم، وفي حسن التأطير، وفي خدمة الممارسين، وفي احترام القوانين، وفي القدرة على تنظيم البطولات، وفي تمثيل المغرب بصورة تليق بهذه الرياضة.أما المنافسة على الأشخاص والمواقع، فلن تصنع مستقبلًا.إن كرة القدم بالمشي تحتاج اليوم إلى ما هو أكبر من انتصار فريق على فريق. تحتاج إلى انتصار الفكرة على الخلاف، والمؤسسة على الأشخاص، والقانون على المزاج، والحوار على القطيعة.نحن في حاجة إلى أن نسأل أنفسنا جميعًا: ماذا قدمنا لهذه الرياضة؟ كم شخصًا جديدًا استقطبنا إليها؟ كم لاعبًا كبيرًا في السن منحناه فرصة للعودة إلى الملعب؟ كم شابًا ساهمنا في تأطيره؟ كم حكمًا ساعدنا على التكوين؟ كم جمعية فتحنا أمامها باب المشاركة؟ وكم مرة نجحنا في تجاوز خلاف من أجل مصلحة أوسع؟هذه هي الأسئلة التي ينبغي أن تشغلنا.أما أن نعرف من قال ماذا عن فلان، ومن اختلف مع فلان، ومن يدعم فلانًا، ومن يرفض فلانًا، ومن يملك هذه الصفة أو تلك، فإن ذلك لن يجعل لاعبًا واحدًا يمشي أسرع، ولن يضيف ملعبًا واحدًا، ولن يساهم في نشر هذه الرياضة.وإذا كان هناك خلاف حقيقي حول الشرعية أو القوانين أو التمثيلية أو طريقة التدبير، فإن مكان الحسم ينبغي أن يكون الوثيقة، والقانون، والمؤسسات، والآليات الديمقراطية، وليس صفحات التواصل الاجتماعي.

فكرة كرة القدم بالمشي أكبر من أي شخص، وأكبر من أي جمعية، وأكبر من أي فريق، وأكبر من أي مسؤول.ومن الخطأ أن نربط مستقبل رياضة كاملة بمصير الأشخاص الذين يشتغلون فيها اليوم.الأشخاص يتغيرون، المسؤولون يتعاقبون، الجمعيات تتطور، لكن الرياضة يجب أن تستمر.ولهذا فإن المرحلة الحالية تحتاج إلى شجاعة من نوع آخر: شجاعة الاعتراف بأن الاختلاف موجود، وشجاعة الجلوس إلى طاولة الحوار، وشجاعة التراجع عن خطاب يزيد التوتر، وشجاعة وضع المصلحة العامة فوق الاعتبارات الشخصية.نحتاج إلى «نحن» قبل «الآخر».نحتاج أن يسأل كل واحد منا نفسه: هل أنا جزء من الحل أم جزء من المشكلة؟هل ما أكتبه يقرب الناس من بعضهم أم يفرقهم؟ هل موقفي يخدم كرة القدم بالمشي أم يخدم صورتي الشخصية؟ هل أنا مستعد لسماع الطرف الآخر كما أطالب الآخرين بسماع صوتي؟هذه ليست أسئلة سهلة، لكنها ضرورية.

فكرة الرياضة تقوم على المنافسة، نعم، ولكن المنافسة لا تعني العداء. والملعب يعلمنا أن الخصم الذي نواجهه اليوم قد يكون زميلنا غدًا، وأن المباراة تنتهي، وأنصافنا في النهاية يجمعهم نفس الشغف.

وهذا هو الدرس الذي ينبغي ألا ننساه.فلنحمِ هذه الفكرة من صراعاتنا.ولنجعل الخلاف وسيلة لتصحيح المسار، لا ذريعة لهدمه.ولنجعل التنافس داخل الملعب، والحوار خارجه، والقانون فوق الجميع.فإذا كنا نريد لهذه الرياضة أن تكبر، فعلينا أن نكبر معها في طريقة تفكيرنا وتدبيرنا لخلافاتنا.فلنبدأ بـ«نحن» قبل أن نتحدث عن «الآخر».لأن كرة القدم بالمشي لا تحتاج اليوم إلى مزيد من الخصوم ..إنها تحتاج إلى مزيد من العقلاء.

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى