24 ساعةأخبار دوليةأخبار وطنيةالواجهة

شعار صاغَ الشتات: كيف حوّل مخطط “فرق تسد” الحلم العربي إلى مرآة مكسورة؟

بين وعود الوحدة المنسية ومتاهات الواقع الراهن، تطل علينا اليوم صورة مشوهة لجسد عربي أثقلته الجراح، وتنازعته الخلافات، حتى غدا المشهد الإقليمي أشبه بمرآة مكسورة يعكس كل جزء منها هماً منفصلاً عن الآخر. هذا الواقع المرير لم يكن بمحض الصدفة، بل هو نتاج امتداد تاريخي لاستراتيجية قديمة متجددة، صاغها الغرب بإحكام وتحولت مع مرور الوقت إلى واقع معاش، لعل أدق ما يعبر عنها هو ذلك الشعار الاستعماري الشهير: “فرق تسد”.

لقد أدركت القوى الدولية المتعاقبة منذ أواخر القرن الماضي أن القوة الكامنة في هذه المنطقة لا تكمن في ثرواتها الطبيعية وموقعها الجيوسياسي الفائق الأهمية فحسب، بل في ذلك الرابط الخفي الذي يجمع شعوبها من المحيط إلى الخليج؛ وحدة اللغة، والثقافة، والتاريخ، والجغرافيا المتصلة. ومن هنا، كان الهاجس الأكبر لدى صناع السياسات الخارجية في العواصم الغربية هو منع قيام أي تكتل أو اتحاد عربي حقيقي قادر على فرض شروطه في ميزان القوى العالمي. ولتحقيق هذه الغاية، نُفذت هندسة سياسية دقيقة بدأت برسم حدود مصطنعة مزقت النسيج الاجتماعي والقبلي، وصنعت بؤراً توتر دائمة يسهل تحريكها كلما دعت الحاجة.

ولم يتوقف الأمر عند حدود الجغرافيا، بل تعداه إلى اختراق الوعي والهوية. فقد جرى العمل على إذكاء النعرات الطائفية، والمذهبية، والعرقية، وتحويل التنوع الثقافي الذي كان من المفترض أن يكون مصدر إثراء وقوة، إلى خطوط مواجهة وصراعات داخلية دموية تستنزف المقدرات البشرية والاقتصادية. ومع تراجع مفهوم الأمن القومي المشترك، غلبت المصالح الضيقة والآنية، واكتفت كل عاصمة بالبحث عن طوق نجاة منفرد، وهو ما جعل القرارات السياسية والاقتصادية رهينة لسياسات المحاور وأجندات القوى الكبرى التي تضمن بقاء نفوذها من خلال استمرار هذا التباعد.

وفي مقابل هذا التفتت العربي، يبرز مشهد يبدو متناقضاً ومؤلماً في آن واحد؛ فالغرب الذي رسخ شعار التفكيك في منطقتنا، نجح في الوقت ذاته في تجاوز صراعاته التاريخية الدامية وبناء تكتلاته الخاصة، وعلى رأسها الاتحاد الأوروبي. لقد فتحوا الحدود، ووحدوا العملة، ونسقوا السياسات رغم اختلاف لغاتهم وقومياتهم، مستوعبين درس التاريخ بأن القوة في عالم اليوم لا تُبنى إلا بالتكتل، بينما بقيت المنظومة العربية عاجزة حتى عن تفعيل اتفاقيات الدفاع المشترك أو تحقيق الحد الأدنى من التكامل الاقتصادي الذي تطالب به الشعوب.

إن قراءة المشهد العربي الحالي لا ينبغي أن تقف عند حدود رصد مظاهر التراجع والنحيب على الأطلال، بل هي دعوة ملحة لتشخيص الداء والاعتراف بأن استمرار الخضوع لآليات الإقصاء والتباعد لم يعد خياراً قابلاً للحياة في عالم لا يحترم إلا الكيانات الكبرى. فالخطوة الأولى نحو الخروج من هذه المتاهة تبدأ من استعادة الوعي الجماعي، وإدراك أن الحصانة الحقيقية للمنطقة ضد أي مخططات خارجية لا تنبع إلا من الداخل، عبر تغليب لغة الحوار، والتسامي فوق الخلافات المصطنعة، وبناء شراكات حقيقية تعيد للمفهوم العربي وزنه الاستراتيجي المفقود.

عبد السلام حكار

عبد السلام حكار مدير الموقع وصحفي منذ 1998 عضو مؤسس بالتنسيقية الوطنية للصحافة والإعلام الإلكتروني

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى