
عبد المولى المروري 
” تعقيب على الأستاذ محمد يتيم”
توصلت بتعليق رصين على التدوينة القصيرة التي أثارت جدلا واسعا داخل الحزب وخارجه من الأستاذ محمد يتيم، الوزير والبرلماني والقيادي النقابي السابق، وأحد الوجوه البارزة المؤسسة للعمل الإسلامي المعاصر بالمغرب.. وهو تعليق يختلف في لغته ومنهجه ورُقِيِّه وأدبه وموضوعيته عن كثير من التعليقات التي انشغلت بالتجريح ومحاكمة النيات، وأحيانا التهكم والعدوانية اللفظية؛ فقد ناقش الفكرة من داخل المرجعية الإسلامية والمنهج الإصلاحي، واستند إلى آيات من القرآن الكريم تستحق التأمل والمناقشة.
وخلاصة ما فهمته من تعليق القيادي المحترم أن العمل الإصلاحي لا ينبغي أن يُقوَّم فقط بما يحققه من نتائج ظاهرة أو عاجلة؛ لأن المقصود الأول هو القيام بالواجب الممكن، وإبراء الذمة أمام الله، أما النتائج فليست مضمونة، والتوفيق بيد الله تعالى.. واستشهد لذلك بقوله سبحانه: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾، وقول شعيب عليه السلام: ﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ﴾، كما استحضر ثبات الربيين مع الأنبياء، وقصة يونس عليه السلام، والآيات التي تقرر أن مهمة الرسول هي البلاغ والتذكير، وليست ضمان هداية الناس.
وهذا تأصيل يحمل معاني إيمانية وتربوية عميقة، وأوافق الأستاذ يتيم على جانب أساسي منه، لكنني – بعد إذنه – أختلف معه في تنزيله على المشاركة الانتخابية على وجه الخصوص، وفي إمكان جعله أساساً لاستمرار وسيلة سياسية معينة من غير إخضاعها لتقييم وتقويم دوري موضوعي وصارم.
1/ نعم، الواجب لا يسقط بسبب تأخر النتائج:
أتفق مع الأستاذ محمد يتيم في أن المُصلح لا يملك النتائج، ولا يجوز له أن يربط ثباته في طريق الإصلاح بتحقق انتصارات عاجلة.. فالأنبياء عليهم السلام دعوا أقوامهم سنوات طويلة، وقوبل بعضهم بالتكذيب والإيذاء والقتل والطرد.. ولم يكن ضعف الاستجابة دليلاً على بطلان دعوتهم أو عبثية رسالتهم.
وقد قال الله تعالى لنبيه صلى الله عليه وسلم: ﴿إِنْ عَلَيْكَ إِلَّا الْبَلَاغُ﴾، وقال: ﴿فَذَكِّرْ إِنَّمَا أَنْتَ مُذَكِّرٌ لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُصَيْطِرٍ﴾، وقال: ﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾.
فالإنسان مأمور بالسعي والعمل، وليس مكلفاً بضمان النتيجة.. ومن الخطأ أن يتحول بطء الإصلاح أو تعثره إلى يأس وعدمية وانسحاب من المجتمع. كما أن الفشل في جولة لا يعني بطلان المشروع كله، والخسارة الانتخابية لا تعني انتهاء العمل السياسي، وتراجع الحزب لا يعفي أفراده من واجب الإصلاح بما يستطيعون.
وفي هذا المعنى تبدو ملاحظة الأستاذ يتيم معقولة ووجيهة: فليس كل عمل لم تظهر ثماره سريعاً عملاً عديم الجدوى، ولا يجوز محاكمة المشاريع التاريخية بمعيار النتائج اللحظية وحدها.
2/ لكن عدم الوصول إلى النتائج لا يعني إهمالها:
موضع الاختلاف يبدأ عندما ننتقل من «الواجب الإصلاحي» في ذاته إلى «الوسيلة السياسية» المعتمدة لأدائه.
فالإصلاح والعدل ومقاومة الفساد واجبات ومقاصد، أما المشاركة الانتخابية فهي وسيلة اجتهادية بشرية، وليست عبادة توقيفية ثابتة في صورتها وشكلها.. والوسائل الاجتهادية لا تكتسب مشروعيتها واستمرارها من حسن النية وحده، بل تُقوَّم أيضاً بقدرتها على خدمة المقصد، وبما تحققه من مصالح، وما تفضي إليه من مآلات.
نحن لا نملك النتائج بصورة قطعية، لكننا مأمورون بتقديرها والاجتهاد في اختيار أقرب الوسائل إليها.. والفلاّح لا يخلق الزرع ولا يُنزل المطر، ولكنه مطالب باختيار الأرض والبذور وموسم الزراعة والآلات المناسبة.. والطبيب لا يخلق الشفاء، ولكنه مسؤول عن تشخيص المرض واختيار العلاج والدواء المناسب ومراقبة آثاره.. فإذا لم ينجح الدواء بعد مدة معقولة، لن يكون الإصرار عليه توكلاً، بل قد يكون تقصيراً في مراجعة الوسيلة.
وكذلك العمل السياسي، فالتوفيق من الله، لاشك في ذلك، لكن اختيار الأدوات، وقراءة موازين القوى، وتقويم الحصيلة، وتغيير الوسيلة عند الحاجة، كلها مسؤوليات بشرية لا يصح إعفاؤنا منها باسم الصبر أو إبراء الذمة.
3/ بين النتائج المضمونة والمآلات المتوقعة:
ثمة فرق كبير بين اشتراط ضمان النتيجة قبل العمل، وهو أمر غير ممكن، وبين النظر في مآلات العمل وقياس آثاره، وهو واجب في الاجتهاد السياسي.. وقد قرر الإمام الشاطبي قاعدة أصولية بالغة الأهمية، فقال: «النظر في مآلات الأفعال معتبر مقصود شرعاً، كانت الأفعال موافقة أو مخالفة؛ وذلك أن المجتهد لا يحكم على فعل من الأفعال الصادرة عن المكلفين بالإقدام أو بالإحجام إلا بعد نظره إلى ما يؤول إليه ذلك الفعل».
وبيّن أن الفعل قد يكون مشروعاً في أصله لما يُرجى فيه من مصلحة، ثم يؤدي في واقع معين إلى مفسدة مساوية أو راجحة، فلا يصح إطلاق الحكم عليه من غير اعتبار مآله.
وهذه القاعدة تصلح تماماً لمناقشة المشاركة الانتخابية.. فالسؤال عندي ليس «هل المشاركة جائزة من حيث الأصل؟» ولا «هل نيات المشاركين حسنة؟» وإنما إلى ماذا آلت هذه المشاركة بعد عقود من التجربة؟ وما المصالح التي حققتها؟ وما المفاسد التي ترتبت عليها؟ وهل ما تزال أداة للضغط والإصلاح، أم أصبحت، في ظل الشروط الحالية، تؤدي وظائف أخرى، منها تجديد شرعية مؤسسات محدودة السلطة، وإعادة إنتاج الثقة في عملية لا تصنع القرار السياسي الفعلي؟
لذلك فإن اعتبار المآلات واستحضارها أثناء الممارسة وقبلها وبعدها ليس عدميّة، بل هو من صميم فقه الإصلاح.
4/ قوله تعالى: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾:
استشهاد الأستاذ يتيم بهذه الآية وجيه في تقرير أن التكليف مرتبط بالاستطاعة.. لكن الآية لا تحسم تلقائياً أن المشاركة الانتخابية هي الواجب الممكن، بل تفتح سؤالاً سابقاً مفاده، ما العمل الذي نستطيع القيام به ويحقق أقرب المصالح وأقل المفاسد؟
الاستطاعة لا تعني فقط القدرة الجسدية أو القانونية على وضع الترشيحات وخوض الحملات والدخول إلى المؤسسات، بل تشمل – وهذا هو الأهم – القدرة السياسية على التأثير وتحقيق قدر معقول من المقاصد الكبرى.
قد يكون الحزب قادراً على المشاركة شكلاً، لكنه عاجز عن تغيير قواعد اللعبة أو امتلاك القرار الناتج عنها (وهذا هو واقعنا للأسف الشديد).. وهنا ينبغي التمييز بين القدرة على دخول المؤسسة والقدرة على الإصلاح مِن داخلها، فبعد عشر سنوات من الولاية الحكومية داخل مؤسسات الدولة، ما الذي تحقق من إصلاح بنيوي وهيكلي داخلها؟.
فالآية تأمر ببذل الوسع، لكنها لا تعين لنا وسيلة واحدة أبدية، ولا تمنعنا من الانتقال إلى وسائل أخرى إذا ظهر أن الوسيلة المعتمدة استنفدت قدرتها أو أصبحت كلفتها أكبر من أثرها، أو أصبحت عقيمة وبدون جدوى.
5/ ﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ﴾:
قول شعيب عليه السلام يجمع بين ثلاثة عناصر:
– إرادة الإصلاح..
– بذل الاستطاعة..
– طلب التوفيق من الله..
لكن إرادة الإصلاح لا تنفصل عن طبيعة الفعل الإصلاحي.. فقد واجه شعيب عليه السلام قومه في أصل فسادهم الاقتصادي والاجتماعي والذي تمثل في بخس الناس أشياءهم، والتطفيف في الميزان، والإفساد في الأرض.. ولم يكتف بإعلان حسن النية أو تسجيل الموقف، بل سمّى الفساد باسمه الحقيقي، وحدد مصدره الحقيقي، وواجه بِنْيَته الأخلاقية والاجتماعية، ولم يقف عند هوامشه ونتائجه فقط.
لذلك لا ينبغي أن تتحول عبارة «إبراء الذمة» إلى بديل عن سؤال الفاعلية.. فالذمة لا تبرأ بمجرد القيام بأي فعل ممكن، وإنما باختيار ما يغلب على الظن أنه أصلح وأنفع بعد بذل الاجتهاد اللازم.
قد يبرئ الحزب ذمته إذا بذل وسعه، وأحسن اختيار الوسيلة، ثم لم تتحقق النتيجة الخارجة عن إرادته.. أما إذا ظهرت اختلالات الوسيلة وتراكمت آثارها السلبية، ثم رفض مراجعتها، فلا يكفيه أن يقول لقد قمت بما أستطيع؛ لأن مراجعة الوسائل نفسها جزء من الاستطاعة والواجب، وهذا ما يبدو أن الحزب يتحاشاه ويمنع الخوض فيه مخافة أن تنتهي المناقشة والمراجعة إلى مراجعة الوسائل والبحث عن أخرى قد تكون غير المشاركة في الانتخابات، وتؤدي إلى نتائج أكثر نجاعة وفعالية .
6/ الثبات لا يعني تكرار الوسيلة نفسها:
استشهد الأستاذ المحترم محمد يتيم بقوله تعالى: ﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ نَبِيٍّ قَاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ فَمَا وَهَنُوا لِمَا أَصَابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَمَا ضَعُفُوا وَمَا اسْتَكَانُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ﴾.
والمعنى واضح في الدعوة إلى الثبات وعدم الوهن أمام الجراح والهزائم.. والآية، في قراءة حفص المتداولة، تقول: ﴿قَاتَلَ مَعَهُ﴾، وقد وردت أيضاً قراءة ﴿قُتِلَ معه ربيون كثير﴾؛ وكلتاهما مرويتان في كتب التفسير والقراءات.
لكن الثبات على المشروع لا يعني الجمود على الأداة، والصبر على الطريق لا يعني تكرار الخطة نفسها مهما تغيرت الظروف.. فالربيون ثبتوا على الإيمان والحق، لا على وسيلة بشرية واحدة لا تقبل المراجعة، وهذا ما جعل الرسول صلى الله عليه وسلم في العديد من الغزوات والمعارك لا يثبت على وسيلة واحدة رغم ثباته على الحق.
إننا لا ندعو إلى الوهن أو الاستكانة، بل إلى التمييز بين الثبات على المقصد والمرونة في الوسيلة.. فقد يكون تغيير الوسيلة مظهراً من مظاهر الثبات على الغاية، بينما يكون التمسك بوسيلة واحدة، رغم عجزها أو ضعفها أو عدم جدواها، ابتعاداً تدريجياً عن تلك الغاية، فالتمسك بوسيلة عاجزة بهذه الطريقة قد تتحول في وعي أصحابها إلى غاية، ومع مرور الزمن قد تصبح مقدسة، الأمر الذي يستحيل معها الاستغناء عنها.. لأنها أضحت جزءا من الهوية التنظيمية وليست وسيلة من وسائل العمل لديه.
7/ هل قصة يونس حجة ضد مراجعة المشاركة؟:
استحضار قصة يونس عليه السلام من طرف الأستاذ يتيم يحمل تحذيراً مشروعاً من الغضب واليأس واستعجال الثمار.. لكن ينبغي الاحتياط في تنزيلها على موضوعنا.
قال تعالى: ﴿وَذَا النُّونِ إِذْ ذَهَبَ مُغَاضِباً فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ﴾.
وقد اختلف المفسرون في الجهة التي كان مغاضباً لها، لكن جمهوراً منهم ربطوا الأمر بخروجه عن قومه قبل أن يؤذن له، أو قبل استكمال ما أمر به، لا بمجرد مراجعته وسيلة من وسائل الدعوة…
والفارق هنا جوهري وكبير في آن واحد، فنحن لا نتحدث عن ترك واجب الإصلاح غضباً من الناس، ولا عن مغادرة المجتمع أو اعتزال الشأن العام، وإنما نتحدث عن تقويم وسيلة انتخابية اجتهادية.. ومن ثم لا يصح أن يُجعل كل تساؤل في جدوى الانتخابات نوعاً من «المغاضبة» أو اليأس من الإصلاح؛ فقد يكون هذا التساؤل دعوة إلى إصلاح «العمل الإصلاحي» نفسه ووسائله، وفي نظري المتواضع وبعد تجربة انتخابية تجاوزت ثلاثين سنة مع ولايتين حكومتين قد حان الوقت للوقوف عند هذا التساؤل بجدية ومسؤولية.
8/ آيات البلاغ والهداية لا تحسم سؤال الوسيلة السياسية:
قول الله تعالى: ﴿فَذَكِّرْ إِنَّمَا أَنْتَ مُذَكِّرٌ﴾، وقوله: ﴿لَيْسَ عَلَيْكَ هُدَاهُمْ﴾، وقوله: ﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ﴾، تقرر أن هداية القلوب بيد الله، وأن الرسول لا يملك إكراه الناس على الإيمان.
لكن موضوعنا ليس هداية القلوب، بل فاعلية ونجاعة أداة سياسية بشرية.. وهناك فرق بين البلاغ الدعوي الذي تتحقق وظيفته بإقامة الحجة، وبين العمل السياسي الذي يُقصد منه التأثير في موازين السلطة وصناعة السياسات وحماية الحقوق.
الداعية قد يبلغ رسالته ولا يستجيب له أحد، وقد يكون قد أدى ما عليه.. أما الحزب السياسي الذي يدخل الانتخابات ويطلب أصوات الناس على أساس أنه سيغير السياسات ويقاوم الفساد، فلا يكفيه أن يقول بعد كل تجربة لقد شاركنا وأبرأنا الذمة؛ بل عليه أن يوضح للناس ماذا حقق، وما الذي عجز عنه، ومن منعه، وهل ما يزال قادراً على الوفاء بوظيفته السياسية.
فالعمل الدعوي يقوم أساساً على البلاغ والبيان، أما العمل السياسي فيقوم إضافة إلى ذلك على الإنجاز والقدرة والتأثير والمحاسبة والنتائج القابلة للقياس.. وخلط المجالين (الدعوي والسياسي) قد يحول العجز السياسي إلى فضيلة تربوية، ويجعل كل مطالبة بالحصيلة نوعاً من استعجال الثمار.
9/ إبراء الذمة ليس الحد الأقصى للإصلاح:
أتحفظ على جعل «إبراء الذمة وتخفيف التبعة» المقصود الأول والأساس من العمل السياسي.. فهذا التعبير يصح في مقام الفرد الذي بذل كل ما يستطيع ثم حيل بينه وبين النتيجة، لكنه لا يكفي لتحديد وظيفة حزب سياسي يعرض مشروعاً على المجتمع ويطلب ثقته وأصواته.
المقصود من السياسة لا يقف عند تسجيل المواقف أمام الله والتاريخ، بل إقامة العدل بقدر المستطاع، وحماية الحقوق، وتغيير السياسات، وتوزيع السلطة، وربط المسؤولية بالمحاسبة.. أما إبراء الذمة فهي ثمرة للقيام بهذه الواجبات وِفق فقه رشيد ومنهج سديد، وليس بديلاً عن تحقيق مقاصد العمل السياسي.
ولو جعلنا مجرد الفعل كافياً، بصرف النظر عن أثره، لتعذر التمييز بين السياسة الناجعة والسياسة العقيمة، وبين الاجتهاد المصيب والاجتهاد الذي يحتاج إلى مراجعة.. وسيصبح كل فشل قابلاً للتبرير بعبارة: «قمنا بما نستطيع، والنتائج بيد الله».
نعم، النتائج بيد الله من جهة الخلق والتوفيق، لكنها من جهة الأسباب والتخطيط والتقويم فهي داخلة في مسؤوليتنا.
10/ ما الذي ينبغي قياسه؟
لا ينبغي تقييم المشاركة الانتخابية بفوز الحزب أو خسارته وحدهما، ولا بعدد المقاعد فقط.. بل ينبغي إخضاعها لجملة أسئلة:
هل وسعت المشاركة مجال القرار المنتخب أم تقلص هذا المجال خاصة في هذه الفترة؟
هل زادت قدرة الحزب على حماية الحقوق والحريات؟
هل استطاع منع الفساد أم استُعمل وجود الحزب لتغطية اختلالات لم يكن يملك تغييرها عن طريق الزج بها في صراعات هامشية بعيدا عن الأزمة البنيوية؟
هل حافظت المشاركة على ثقة المجتمع في العمل السياسي أم ساهمت في إضعافها؟
هل راكم الحزب قوة تفاوضية مع الدولة، أم راكم مناصب ومواقع محدودة التأثير؟
هل كلفة المشاركة، سياسياً وتنظيمياً وأخلاقياً، متناسبة مع مكاسبها؟
وما البدائل الممكنة بين المشاركة غير المشروطة والمقاطعة السلبية الكاملة؟ هل هناك خيار ثالث؟
هذه الأسئلة لا تعبر عن عدميّة، بل عن مسؤولية.. وقد تنتهي المراجعة إلى أن المشاركة، رغم محدوديتها، ما تزال أرجح من المقاطعة.. وقد تنتهي إلى المشاركة المشروطة، أو الجمع بين العمل المؤسسي والضغط المجتمعي، أو الانسحاب المؤقت، أو إعادة تعريف الوظيفة الانتخابية.. لكن من غير المقبول أن نعمل على تحصين المشاركة من التقييم والتقويم لمجرد وصفها بأنها «قيامٌ بالواجب».
الخلاصة: الثبات على الإصلاح لا يعني الثبات على الأداة
أتفق مع الأستاذ المحترم محمد يتيم في رفض اليأس والعدمية، وفي أن المصلح لا يملك النتائج ولا ينبغي أن يترك واجبه بسبب تأخر الثمار.. كما أشاطره الرأي في أن مسيرة الإصلاح أطول من دورة انتخابية، وأن بعض المبادرات لا تظهر نتائجها إلا بعد زمن، وقد يكون طويلا جدا.
لكنني أختلف معه في أن هذا المعنى يصلح وحده جواباً عن سؤال جدوى الانتخابات في شروطها الحالية.. وأنا أركز «على شروطها الحالية».. فالانتخابات ليست قدراً تعبدياً، والمشاركة ليست غاية في ذاتها، وإنما وسيلة سياسية بشرية تُقوَّم بالمصالح والمفاسد والمآلات.
وليس المطلوب ضمان النتيجة قبل العمل، بل ترجيحها بقدر الاستطاعة.. وليس المطلوب – أيضا – هجر الإصلاح عند أول انتكاسة، بل مراجعة أدواته بعد تجربة طويلة.. و السؤال ليس هو هل نستمر في الإصلاح أم نستسلم؟ وإنما السؤال، بأي وسيلة نواصل الإصلاح حتى لا يتحول الصبر إلى جمود، والثبات إلى تكرار، وإبراء الذمة إلى إعفاء للنفس من واجب المراجعة؟
إن المؤمن يثبت على الحق، لكنه لا يقدس وسائله.. والمصلح لا ييأس من غايته، لكنه يراجع طريقه إليها.. والسياسي المسؤول لا يُحاسب فقط على صدق نيته ونبل مقصده، بل كذلك على حسن اختياره للأداة، ودقة قراءته للواقع، وشجاعته في الاعتراف حين تصبح الوسيلة أقل خدمة للمقصد الذي اختيرت من أجله، أو ربما انتهت إلى غياب الجدوى وغياب المعنى.
وبهذا المعنى، فإن التساؤل عن جدوى المشاركة الانتخابية ليس دعوة إلى ترك الواجب، وإنما هو سؤال عن الواجب نفسه: «هل ما نفعله اليوم هو أقصى ما نستطيع فعلاً، أم إن هذا ما اعتدنا على فعله فقط، ولم نعد نُحسنُ غيره، أو ربما لا نقوى على غيره؟»
أختم بالتعبير عن تقديري واحترامي للأستاذ الكبير محمد يتيم على سعة صدره وسمو أخلاقه ونزاهة تفكيره ورجاحة عقله..
وفقنا الله جميعا لما يحبه ويرضاه، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين..





