الواجهةمجرد رأي

بين الكرامة و العبودية أمواج موت محقق

صاحب التاسعة عشرة سنة الذي سُجن وعُذب، هو نفسه نائب الأمين العام للأمم المتحدة، الدكتور جمال بن عمر، الذي هاجر في قارب صيد متهالك.

بهذه الجملة أبدأ، وبهذه الجملة أرد على كل المطبلين الجهلة والمشهرين الجبناء الذين يقولون إن المغربي يهاجر لأنه يريد الهجرة، وإن الكرامة مضمونة.

كفى كذبا.

جمال بن عمر لم يهاجر لأنه يحب البحر. اعتقل وهو ابن تسعة عشر ربيعا، وحكمت عليه محاكمكم باثنتي عشرة سنة، قضى منها ثماني سنوات كاملة في السجن المركزي بالقنيطرة، ذاق فيها التعذيب والتنكيل، ثم أعيد اعتقاله سنة 1984، لأنه رفض أن يركع.

وعندما خرج من الجحيم، لم يجد وطنا يتسع لجراحه. لم يجد وظيفة بلا رشوة، ولا إدارة بلا محسوبية، ولا جامعة تحترم عقله. فما كان أمامه إلا قارب صيد متهالك، قارب موت محقق، ركبه كما يركبه اليوم شباب سلا والناظور والخميسات، ليس حبا في المغامرة، بل هربا من الموت البطيء هنا.

هذا القارب المتهالك الذي سخرتم منه، أوصله إلى الضفة الأخرى. وهناك درس، وتكون، وناضل في منظمة العفو الدولية، وأصبح مستشارا للرئيس الأمريكي جيمي كارتر، ثم التحق بالأمم المتحدة سنة 1993، ليصل في 9 نونبر 2015 إلى قمة الهرم، نائبا للأمين العام للأمم المتحدة برتبة وكيل أمين عام، يفك نزاعات اليمن وأفغانستان وليبيا، بينما بقيتم أنتم هنا تفكون نزاعاتكم بالسوط والزنزانة.

يا أيها المطبلون: هذا هو ابن زنزانة القنيطرة الذي قلتم إنه انتهى.
يا أيها المشهرون: هذا هو صاحب القارب المتهالك الذي قلتم إنه سيغرق.

لم يستفد منه المخزن، فاستفادت منه الإنسانية.

تقولون الكرامة مضمونة؟ أي كرامة؟

هل الكرامة أن يُجلد الأستاذ والمعلم والطبيب في الشارع؟
هل الكرامة أن يُطرد الطالب لأنه طالب بمنحته؟
هل الكرامة أن يشرع للسوط برلماني متابع بالفساد؟

أنتم تخافون العقل لذلك تكرسون الجهل. تريدون شعبا يأكل كسرة خبز ويصفق. ولكن الكرامة ليست كسرة خبز، الكرامة أوكسجين ينبعث من شجرة التعليم والصحة والعدل، الشجرة التي تقومون أنتم باغتيالها كل يوم.

بين الكرامة والعبودية ليست كسرة خبز، بل هي أمواج موت محقق يركبها شبابنا كل يوم.

ومن لم يستوعب هذا الدرس، فلينتظر الطوفان. طوفان وعي لن يبقي ولن يذر.

الأستاذ ميلود عبوز
محام بالخميسات – هيئة المحامين بالرباط
معتقل سياسي سابق

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى