أزمور…حين يصبح تحرير الملك العمومي… تحريرا للمدينة من الحياة

لا أحد يختلف حول أن تحرير الملك العمومي ضرورة قانونية وحضارية، وأن إحترام الفضاء العام مسؤولية جماعية لا يمكن التهاون فيها. لكن السؤال الذي يفرض نفسه بإلحاح هو :
هل يكفي أن نزيل البائع المتجول من الشارع دون أن نوفر له مكانا يضمن له الإستمرار في كسب قوته ؟.
في مدينة أزمور، يبدو أن مفهوم “التنظيم” أصبح عند البعض مرادفا للإخلاء فقط، بينما يغيب الشق الأهم في أي سياسة عمومية ناجحة، وهو توفير البديل. فكيف يمكن الحديث عن محاربة الإحتلال العشوائي للملك العمومي، في الوقت الذي ما تزال فيه أسواق نموذجية قائمة، لكنها مغلقة، تكسوها الأتربة، وكأنها شيدت لتكون معالم صامتة لا فضاءات لإحتضان الباعة ؟.
المشهد اليوم يطرح أكثر من علامة إستفهام. فالمدينة التي كانت تعرف حركة تجارية ونبضا إقتصاديا، أصبحت تعيش على وقع ركود يشتكي منه التجار والمهنيون والمواطنون على حد سواء. وإذا كان الهدف هو إعادة النظام، فإن النظام الحقيقي لا يقاس بعدد العربات التي أختفت من الشوارع، بل بعدد الأسر التي أستطاعت الحفاظ على مصدر رزقها في إطار قانوني ومنظم.
المفارقة الساخرة أن بعض المسؤولين قد يعتبرون إختفاء الباعة المتجولين إنجازا يستحق التصفيق، بينما تتساءل المدينة في صمت : وماذا عن الأسواق النموذجية التي ما زالت تنتظر من يفتح أبوابها؟.
هل هي مشاريع للتصوير في المناسبات فقط، أم أنها أنجزت أصلا لتؤدي دورها الإقتصادي والإجتماعي؟
إن أي عملية لتحرير الملك العمومي لا تكتمل إلا عندما تتحول من حملة موسمية إلى مشروع تنموي متكامل، يوازن بين فرض القانون وحماية الحق في العمل. أما الإكتفاء بإبعاد الباعة عن الشارع دون توفير فضاءات بديلة وإبقاء نوع آخر من الإحتلال يهم السطو على حديقة وتحويلها إلى معرض لبيع السيارات فهو لا يصنع مدينة منظمة، بل قد يساهم في تعميق الركود الإقتصادي وإضعاف الحركة التجارية.
أزمور اليوم ليست في حاجة إلى إنتصارات إعلامية عابرة، بل إلى رؤية عملية تجعل من القانون وسيلة لتنظيم الحياة، لا سببا في خنقها. فحين يغيب البديل، يصبح الحديث عن التنظيم ناقصا، وحين تغلق الأسواق النموذجية وتغلق معها أبواب الرزق، يحق للمواطن أن يتساءل :
هل نحرر الملك العمومي… أم نفرغ المدينة من روحها ؟.





