سيرة علي عزت بيغوڤيتش

سلمان بونعمان
صدر عن دار تنوير للنشر والإعلام كتاب «السيرة الذاتية» للمفكر والرئيس البوسني الراحل علي عزتبيغوڤيتش، بترجمة د. أحمد شكري مجاهد، ومراجعة د. كريم الماجري، ضمن مشروع الآثار الكاملة لهذا المفكر الكبير باللغة العربية.
ويمثل هذا الإصدار حدثا فكريا وثقافيا يضيف إلى المكتبة العربية نصا مركزيا في فهم تجربة صاحبه، ويكشف الصلة العميقة بين الفلسفة والتاريخ، وبين المبادئ الأخلاقية واختباراتها القاسية في الحرب والحصار وممارسة الحكم.
عرف القارئ العربي علي عزتبيغوڤيتش عبر أعماله الأساسية: «الإعلان الإسلامي» و«الإسلام بين الشرق والغرب» و«أوراق السجن». وقد رسمت هذه الكتب معالم مشروعه الفلسفي والحضاري ورؤيته للإنسان ونقده للمادية، وموقفه من الجمود الديني، وبحثه عن صيغة حضارية تصل الثقافة الروحية بالمنجز المادي، وهي رؤية تقدم الإسلام ضمن أفق إنساني وحضاري متجدد.
أما السيرة الذاتية، فتقدم المختبر الواقعي لهذه الأفكار، وتكشف انتقال الفلسفة من مجال التأمل والتنظير إلى عالم القرار السياسي، وساحات الحرب والألم، وإلى موقع الرئيس المسؤول عن مصير شعب مهدد بالإبادة.
تغطي السيرة مراحل ممتدة من حياة الرجل وتاريخ البوسنة والهرسك؛ من شبابه المبكر وسجنه في يوغوسلافيا الشيوعية بين عامي 1946 و1949، إلى محاكمة سراييفو سنة 1983، ثم تأسيس حزب العمل الديمقراطي سنة 1990 والحرب البوسنية ومذبحة سريبرينيتسا، والمفاوضات الدولية التي انتهت باتفاق دايتون سنة 1995. وفي مجرى هذه الأحداث يظهر عزت بيغوڤيتش مفكرا ومناضلا ورئيسا، ويظهر كذلك إنسانًا يحمل القلق والخوف والحزن، ويواجه الخيارات المؤلمة بين المثال والضرورة، وبين سلامة المبدأ وحماية الوجود التاريخي لشعبهد البوسنة المسلم.
وتنبع القيمة الخاصة لهذه الطبعة من طبيعة العمل الذي أُنجز لإنتاج النص العربي. فقد استغرقت الترجمة قرابة سنتين، وخرج الكتاب في أكثر من سبعمائة صفحة، ضمن مسار متدرج من الترجمة والمقابلة والتحرير والتدقيق والمراجعة الطباعية. وتعامل المترجم د. أحمد شكري مجاهد مع النص بوصفه سيرة فكرية وتاريخية مركبة، تستدعي فهم لغة عزت بيغوڤيتش ومفاهيمه، واستيعاب السياقات السياسية والقانونية والدبلوماسية المحيطة بالوقائع التي يرويها.
وانطلقت الترجمة من النص المتاح بلغة وسيطة، مع الانتباه إلى ما يعتري بعض مواضعه من تفاوت في الدقة والوضوح، ثم قوبل النص العربي مقابلة منهجية بالأصل البوسني على يد د. كريم الماجري، المتخصص في شؤون البلقان. وقد أتاحت هذه المقابلة مراجعة المصطلحات، وضبط أسماء الأشخاص والمؤسسات والأماكن، والتحقق من الفروق الدلالية، وتصحيح ما ينتج عن انتقال النص عبر أكثر من لغة. وبهذا حافظت هذه الطبعة العربية، إلى جانب الدلالة العامة، على نبرة المؤلف وبنية عبارته ودقة شهادته التاريخية.
وشمل العمل كذلك التحقق من الوقائع والتواريخ والأعلام والأحداث العسكرية والسياسية، مع إضافة حواشٍ تفسيرية تعرّف بالشخصيات والمؤسسات والمواقع التي يذكرها المؤلف بإيجاز.
وقد أُعدت هذه الحواشي لخدمة القارئ العربي، ووضع الأحداث داخل سياقها اليوغوسلافي والبلقاني والدولي، وتوضيح الإشارات التاريخية والقانونية والدبلوماسية التي تقوم عليها أجزاء واسعة من السيرة.
وخضع الكتاب لجولات كثيرة من المراجعة؛ فقرأه المترجم والمراجع والمحرر والمدقق اللغوي، وراجعه كل واحد منهم مرتين. واضطلع د. أحمد شكري مجاهد بمهمة الترجمة، فيما تولى د. كريم الماجري مراجعة النص ومقابلته بالأصل البوسني، مع إشراف تحريري ومتابعة دقيقة من أ. عبد الرحمن أبوذكري، محرر السلسلة وصاحب دار تنوير.
وتعكس هذه العملية تصورا مخصوصا لصناعة الكتاب؛ تصورا يرى القيمة الكبرى في صناعة المحتوى وسلامة النص ودقة الترجمة وصرامة المراجعة، ثم يستكملها بجودة الورق والطباعة والتصميم. ولهذا جاءت الطبعة ثمرة عمل جماعي طويل، استهدف تقديم نص عربي شديد القرب من الأصل، واضح اللغة وموثق السياقات، مصون من الأخطاء التي تمس دلالة شهادة تاريخية بهذه الحساسية.
يقدم هذا الإصدار سيرة تخرج من حدود الاعتراف الشخصي إلى مقام الوثيقة في التاريخ والسياسة والأخلاق والحكم. فهو يعيد تقديم علي عزت بيغوڤيتش في إنسانيته الكاملة، ويكشف تحول الفلسفة إلى موقف، واختبار السلطة لصدق الأفكار، وصيرورة الحزن جزءا من المسؤولية، ويجعل الحفاظ على الشعب امتحانا أخلاقيا وإنسانيا عظيما.
وتكمن قيمة هذه الترجمة في أنها تنقل القارئ العربي إلى قلب التجربة البوسنية، فتمنحه نصا مركزيا لفهم الفيلسوف حين يدخل التاريخ والرئيس حين يحمل خوف شعبه، والإنسان حين يقف أمام أقسى امتحانات المبدأ والوجود.
وتستحق هذه الطبعة أن تحظى بعناية القراء والباحثين، تقديرا لما بذله فريق الترجمة والمراجعة والتحرير والتدقيق من جهد طويل ودقيق، وتهنئة خاصة لدار تنوير وجميع العاملين على هذا المشروع الثقافي الذي أعاد تقديم صوت علي عزتبيغوڤيتش إلى العربية في صيغة تليق بمكانته الفكرية ووزن تجربته التاريخية.





