24 ساعةالواجهةجرائم وحوادث وقضايا

عبد اللطيف وهبي يثير نقاشاً مجتمعياً بتصريح «ليلة واحدة مقابل 21 سنة من المسؤولية»..

حماية الطفل وتحميل المسؤولية للأبوين في صلب النقاش القانوني

بقلم خطوط النواصر

عاد تصريح وزير العدل عبد اللطيف وهبي بشأن المسؤولية المادية عن الأطفال المولودين خارج إطار مؤسسة الزواج إلى واجهة النقاش المجتمعي لما يحمله من أبعاد قانونية وحقوقية واجتماعية تتصل بحماية الطفولة وصيانة الكرامة الإنسانية ومواجهة ظاهرة التخلي عن الأطفال وتحميل الأبوين البيولوجيين مسؤولية النتائج المترتبة عن العلاقة التي أدت إلى ولادتهم.

وكان وهبي قد أدلى بهذا التصريح يوم الأربعاء 2 نونبر 2022 خلال لقاء نظمته مؤسسة الفقيه التطواني للعلم والأدب بمدينة سلا حيث تحدث عن توجه وزارة العدل نحو إدراج مقتضيات قانونية ضمن مشروع مراجعة القانون الجنائي تروم تحميل الأبوين البيولوجيين مسؤولية التكفل بالطفل المولود خارج إطار الزواج إلى حين بلوغه سن الحادية والعشرين.

«لي قصر ليلة غادي يخلص عليها 21 سنة».. تصريح يحمل رسالة المسؤولية

في حديثه عن الموضوع استعمل وزير العدل آنذاك عبارة أثارت اهتمام الرأي العام حين قال إن الشخص الذي يقضي ليلة واحدة وينتج عن علاقته طفل لا ينبغي أن يتخلى عن مسؤوليته تجاهه مضيفاً أن من أخطأ ليلة عليه تحمل مسؤوليتها لمدة 21 سنة.

ولم يكن مضمون التصريح متعلقاً بفرض عقوبة مالية على العلاقة في حد ذاتها بقدر ما تعلق وفق الشرح الذي قدمه الوزير بفكرة إلزام الطرف الذي لا يتولى حضانة الطفل بالمساهمة في نفقته ورعايته وتحمل مسؤوليته المادية.

وأوضح وهبي أن التصور الذي طرحه يقوم على أن الطفل إذا بقي في حضانة الأم فإن الأب البيولوجي يتحمل المصاريف والتعويضات المرتبطة برعايته وفق الشروط التي يتعين أن يحددها القانون. وإذا تولى الأب الحضانة فإن الأم تتحمل بدورها المسؤولية المادية بحسب التصور المعلن.

الطفل في قلب المعادلة.. المسؤولية لا تسقط بسبب الوضعية العائلية

تتمثل الرسالة الاجتماعية الأساسية التي أراد الوزير إبرازها في أن الطفل لا ينبغي أن يتحمل تبعات الخلاف أو العلاقة التي أدت إلى ولادته وأن حقوقه في الرعاية والتغذية والعلاج والتعليم والحماية تقتضي إيجاد آليات قانونية تمنع التخلي عنه أو تركه في وضعية هشاشة.

ويطرح هذا التوجه سؤالاً جوهرياً حول كيفية التوفيق بين مقتضيات القانون والأسرة والمرجعية الدينية من جهة وبين حماية الطفل وضمان مصالحه الفضلى من جهة أخرى.

كما يسلط الضوء على الأوضاع الاجتماعية التي تواجهها بعض الأمهات اللواتي يتحملن وحدهن أعباء الرعاية والتربية في غياب مساهمة الطرف الآخر وما قد يترتب عن ذلك من هشاشة اقتصادية واجتماعية.

الحمض النووي وإثبات النسب.. إشكال علمي وقانوني وشرعي

ومن أبرز النقاط التي تناولها وهبي خلال اللقاء مسألة الاستعانة بالخبرة الجينية وتحاليل الحمض النووي ADN لإثبات العلاقة البيولوجية بين الأب والطفل.

وقد اعتبر الوزير أن الوسائل العلمية الحديثة تتيح إمكانات دقيقة في تحديد العلاقة البيولوجية غير أن توظيفها في مجال إثبات النسب يطرح إشكالات قانونية وشرعية تستدعي نقاشاً واجتهاداً ومراعاة الضوابط المعمول بها.

وأشار في هذا السياق إلى أهمية رأي المجلس العلمي الأعلى في القضايا ذات الصلة بالمرجعية الشرعية مؤكداً أن إدراج مثل هذه المقتضيات في النصوص القانونية لا يمكن أن يتم بمعزل عن النقاش المؤسساتي والفقهي.

وهنا تتجلى حساسية الملف باعتباره لا يتعلق بمجرد وسيلة تقنية لإثبات الأبوة بل يمتد إلى الآثار القانونية المترتبة عن النسب والحضانة والنفقة والحقوق المدنية للطفل.

ما الذي يقوله القانون المغربي؟

من الضروري التمييز بين التصريح السياسي أو المقترح التشريعي وبين القانون الذي دخل حيز التنفيذ. فالتصريح الذي أدلى به وهبي سنة 2022 كان إعلاناً عن توجه مقترح ولم يكن في حد ذاته نصاً قانونياً يفرض تلقائياً أداء النفقة لمدة 21 سنة.

وتنص مدونة الأسرة المغربية في المادة 146 على استواء البنوة للأم في الآثار المترتبة عليها سواء كانت ناتجة عن علاقة شرعية أو غير شرعية. بينما تنص المادة 148 على أن البنوة غير الشرعية بالنسبة للأب لا يترتب عنها أي أثر من آثار البنوة الشرعية.

كما تنظم المواد المتعلقة بالنفقة واجبات الإنفاق على الأولاد وشروطها ومددها وفق القواعد القانونية المعمول بها.

وبالتالي فإن الحديث عن إلزام الأب البيولوجي بأداء مصاريف طفل مولود خارج إطار الزواج إلى سن 21 سنة وفق التصور الذي عرضه الوزير يحتاج إلى مقتضيات تشريعية واضحة تحدد شروط إثبات العلاقة والمسؤولية المدنية وآليات الحضانة والنفقة والجهة القضائية المختصة.

بين التصريح والواقع التشريعي.. ضرورة الدقة في نقل الخبر

إن أهمية هذا الملف تفرض عدم تقديم تصريحات سنة 2022 على أنها قانون جديد صدر حديثاً كما تفرض عدم اعتبار سن 21 سنة قاعدة عامة مطبقة تلقائياً على جميع الحالات.

فالمقترحات القانونية لا تصبح ملزمة بمجرد الإعلان عنها أو تداولها إعلامياً وإنما تكتسب قوتها بعد استكمال المسار التشريعي والمصادقة عليها ونشرها في الجريدة الرسمية ودخولها حيز التنفيذ.

ويكتسي هذا التمييز أهمية خاصة حتى لا تختلط لدى المواطنين التصريحات الحكومية بالمقتضيات القانونية النافذة وحتى يتمكن الرأي العام من فهم الحقوق والواجبات وفق النصوص المعمول بها.

حماية الطفولة مسؤولية مجتمعية ومؤسساتية

إن النقاش الذي أثاره تصريح عبد اللطيف وهبي يتجاوز العبارة التي اختارها الوزير ليطرح قضية أعمق تتعلق بمصير الأطفال الذين يجدون أنفسهم في أوضاع عائلية واجتماعية معقدة.

فالطفل لا يختار ظروف ولادته ولا ينبغي أن يحرم من الرعاية والحماية بسبب وضعية والديه. كما أن المسؤولية عن الرعاية والتكفل تقتضي معالجة قانونية متوازنة تراعي حقوق الطفل وتحفظ كرامة الأم وتحدد المسؤوليات وفق قواعد عادلة وواضحة.

وتبقى الحاجة قائمة إلى تطوير آليات الحماية الاجتماعية والقضائية وتعزيز المواكبة للأسر الهشة وضمان الولوج إلى العلاج والتعليم والتكفل الاجتماعي بما يحول دون تحول الخلافات الأسرية إلى مأساة إنسانية يدفع ثمنها الأطفال.

خاتمة.. المسؤولية تبدأ من حماية الإنسان

إن عبارة «لي قصر ليلة غادي يخلص عليها 21 سنة» التي أطلقها عبد اللطيف وهبي سنة 2022 أعادت طرح سؤال المسؤولية الفردية والاجتماعية في قضايا الإنجاب خارج إطار الزواج وفتحت نقاشاً حول ضرورة حماية الأطفال من الإهمال والتشرد وضمان حقهم في الرعاية والتكفل.

وبين مقتضيات القانون والاعتبارات الشرعية والرهانات الاجتماعية تظل مصلحة الطفل الفضلى هي المعيار الأساسي الذي ينبغي أن توجهه أي مراجعة تشريعية جادة.

فالعدالة لا تكتمل بمجرد تحديد المسؤوليات بل تكتمل حين يجد كل طفل الحماية والرعاية والكرامة التي يستحقها دون تمييز أو إقصاء.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى