
جمعيات تُولد بلا مشروع… ورؤساء يبحثون عن الواجهة: من يحاسب؟
ليس كل من أسس جمعية فاعلاً جمعوياً: عندما تصبح الرئاسة غاية
جمعية على الورق… و«رئيس» في الصور: هل هذا هو المجتمع المدني الذي نريد؟
في السنوات الأخيرة، أصبح تأسيس جمعية بالنسبة إلى البعض أسهل من تأسيس مشروع حقيقي. يكفي أن يجتمع عدد من الأشخاص، يتم اختيار اسم رنان، صياغة أهداف فضفاضة، إعداد مكتب، ثم يبدأ مسلسل الصور والبلاغات والتهاني والظهور في المناسبات، وكأن مجرد الحصول على وجود قانوني قد أصبح في حد ذاته إنجازاً يستحق الاحتفال.
والحقيقة أن تأسيس الجمعية حق قانوني، ولا أحد يجادل في ذلك. لكن السؤال الذي يجب أن يُطرح بقوة هو: ماذا بعد التأسيس؟
هل تأسست الجمعية فعلاً لخدمة المجتمع، أم تأسست لأن صاحب الفكرة يريد صفة “رئيس جمعية”؟ هل هناك مشروع؟ هل هناك برنامج سنوي؟ هل هناك أعضاء فاعلون؟ هل هناك موارد معلومة ومشروعة؟ هل هناك تقارير؟ هل هناك تقييم؟ أم أن الأمر لا يتجاوز مكتباً يحمل اسماً كبيراً، وصفحة على مواقع التواصل الاجتماعي، وصوراً جماعية في المناسبات؟
المشكلة ليست في كثرة الجمعيات في حد ذاتها، فالمجتمع المدني القوي يحتاج إلى تعدد المبادرات والهيئات. المشكلة في جمعيات تُولد ميتة، لا يعرف المواطن بوجودها إلا عندما تبحث عن دعم أو تستعد لحضور مناسبة أو تريد إضافة صورة جديدة إلى سجلها الافتراضي
والأخطر أن يتحول العمل الجمعوي عند البعض إلى وسيلة للحصول على النفوذ الرمزي، أو التقرب من المسؤولين، أو صناعة صورة اجتماعية، أو الدخول في صراعات لا علاقة لها بأهداف الجمعية.
الجمعية ليست بطاقة تعريف اجتماعية، وليست لقباً يضاف إلى الاسم، وليست سلماً للصعود الشخصي.
الجمعية مسؤولية.
ومن يريد أن يكون رئيس جمعية عليه أن يعرف أن الرئاسة ليست وجاهة، وليست امتيازاً، وليست منصة لإصدار البيانات والصور، وإنما هي التزام أمام المنخرطين، وأمام المستفيدين، وأمام القانون.
القانون نفسه يعرف الجمعية باعتبارها اتفاقاً لتحقيق تعاون مستمر بين شخصين أو عدة أشخاص باستخدام معلوماتهم أو نشاطهم لغاية غير توزيع الأرباح فيما بينهم. ولذلك فإن السؤال الحقيقي ليس: كم جمعية تأسست؟ وإنما: كم جمعية تشتغل فعلاً؟
كم جمعية لديها برنامج سنوي حقيقي؟
كم جمعية تعقد اجتماعاتها بانتظام؟
كم جمعية تملك تقارير أدبية ومالية واضحة؟
كم جمعية تعرف عدد مستفيدي مشاريعها؟
كم جمعية تقيس أثر أنشطتها؟
وكم جمعية تستطيع أن تقول للمواطن: هذه هي حصيلة عملنا، وهذه هي الأموال التي دخلت، وهذه هي الأموال التي صرفت، وهذه هي النتائج التي حققناها؟
هنا يجب أن نتوقف،لأن المرحلة لم تعد تسمح بأن نختبئ خلف عبارة “نحن جمعية” وكأن هذه العبارة وحدها تمنح صاحبها حصانة أخلاقية أو كفاءة تلقائية.
الجمعية ليست مقدسة، ورئيس الجمعية ليس فوق النقد.
بل إن الجمعية التي تستفيد من الدعم العمومي أو تنخرط في مشاريع وشراكات مطالبة، أكثر من غيرها، بأن تكون نموذجاً في الحكامة والشفافية وربط المسؤولية بالمحاسبة.
وهنا لا بد من التفريق بين الجمعيات الجادة، التي تشتغل في صمت وتخدم الأطفال والنساء والأشخاص في وضعية إعاقة والشباب والقرى والفئات الهشة، وبين جمعيات لا يظهر نشاطها إلا في الصور والمنشورات.
هناك جمعيات تشتغل بإمكانيات محدودة لكنها تصنع أثراً حقيقياً، وهناك أخرى تملك الإمكانيات والموارد لكنها عاجزة عن تقديم حصيلة مقنعة.
المعيار ليس عدد الصور، وإنما حجم الأثر.
وليس عدد أعضاء المكتب هو الذي يصنع الجمعية، وإنما قدرة هؤلاء الأعضاء على العمل والتخطيط والتنفيذ والتقييم.
وليس لقب “الرئيس” هو الذي يصنع القائد الجمعوي، وإنما ما يتركه من أثر في حياة الناس.
كما أن الجمعية ليست بديلاً عن الدولة، ولا مؤسسة سياسية، ولا شركة ربحية، ولا ملكية خاصة لرئيسها. إنها إطار للعمل الجماعي، ومن ثم فإن تحويلها إلى “ممتلكات شخصية” أو إلى وسيلة لتصفية الحسابات أو صناعة الزعامات يفرغ العمل الجمعوي من معناه.
والغريب أن بعض الأشخاص يؤسسون جمعية في مجال لا يملكون فيه أي معرفة أو تجربة، ثم يقدمون أنفسهم باعتبارهم خبراء فيه، ويبدأون في تنظيم دورات وندوات وتكوينات دون مؤهلات واضحة، وكأن كلمة “جمعية” تمنح صاحبها تلقائياً صفة الخبير.
وهنا يجب أن نقولها بصراحة: العمل الجمعوي لا يلغي التخصص، والتطوع لا يلغي الكفاءة، والصفة الجمعوية لا تجعل الإنسان خبيراً في كل شيء.
يمكن للجمعية أن تستعين بخبير، وأن تتعاقد مع مكون، وأن تشغل أجراء عند توفر الشروط القانونية، وأن تنجز مشاريع، وأن تعقد شراكات، لكن عليها أن تعرف حدود اختصاصها وأن تحترم الكفاءة المهنية.
كما أن تأسيس الجمعية قانونياً لا يعني بالضرورة أنها جمعية ذات منفعة عامة. فهناك مساطر خاصة للاعتراف بالمنفعة العامة، وتتولى الأمانة العامة للحكومة تدبير الإطار القانوني المرتبط بهذا المجال.
ومن هنا، فإننا في حاجة اليوم إلى ثورة هادئة في مفهوم العمل الجمعوي: نحتاج إلى الانتقال من جمعية المناسبات إلى جمعية المشاريع، ومن جمعية الصور إلى جمعية النتائج، ومن جمعية الأشخاص إلى جمعية المؤسسات، ومن الرئاسة كواجهة إلى الرئاسة كمسؤولية.
نحتاج إلى جمعيات تعرف لماذا تأسست، ولمن تشتغل، وماذا تريد أن تحقق، وكيف ستقيس نتائجها.
أما أن يستمر البعض في تأسيس جمعيات لا يعرف أعضاء مكتبها بعضهم بعضاً، ولا تعقد اجتماعاتها، ولا تملك برنامجاً، ولا تقدم حصيلة، ثم تظهر عند توزيع الدعم أو تنظيم المناسبات، فهنا من حق المجتمع أن يسأل، ومن حق المنخرطين أن يحاسبوا، ومن حق الجهات المختصة أن تطبق القانون حيثما وجدت مخالفات.
لقد انتهى زمن “جمعية على الورق“.
اليوم نحتاج إلى جمعية حقيقية، بمشروع حقيقي، وأشخاص حقيقيين، وعمل حقيقي، وأثر حقيقي.
ومن أراد أن يؤسس جمعية، فليؤسسها.
ومن أراد أن يترأس جمعية، فليتحمل مسؤوليتها.
ومن أراد أن يطلب الدعم، فليقدم مشروعه.
ومن أراد أن يتحدث باسم المجتمع، فليثبت أولاً ماذا قدم للمجتمع.
أما أن يصبح تأسيس الجمعية غاية في حد ذاته، وأن تتحول صفة الرئيس إلى وجاهة اجتماعية، وأن تصبح صفحات التواصل الاجتماعي بديلاً عن الميدان، فهنا لا بد أن نرفع الصوت: المجتمع المدني ليس كثرة في العناوين، وإنما قوة في الأثر.
والرسالة الأخيرة لكل من يفكر في تأسيس جمعية:
لا تسأل أولاً: ماذا سأستفيد من الجمعية؟
اسأل: ماذا سأقدم من خلالها للمجتمع؟
فإذا لم تجد جواباً واضحاً، فربما لا تحتاج إلى تأسيس جمعية… بل تحتاج أولاً إلى مشروع.





