
الدكتور إسماعيل الحسني:
من فوائد مسيرتي في منبر الجمعة
لقد اجتهدت ما وسعني الاجتهاد بأن يكون تفاعلي مع ما يقتضيه منبر الجمعة محكوما بواجب القول السديد الذي به يكون صلاح الأعمال و به نقي أنفسما من الوقوع في مهاوي فسادها.
أقول هذا لأنني استحضرته استحضارا كبيرا عندما هاتفني السيد مندوب الشؤون الإسلامية بمراكش.
هاتفني و أنا أقضي عطلتي الصيفية في مدينة طنجة، يتطلع فضيلته إلى معرفة سبب غيابي عن أداء خطبة الجمعة صبيحة 24 من شهر يوليوز م هذا العام 2026م.
و هاتفني قبل هذا التاريخ ، أعني في بداية شهر فبارير من هذه السنة 2026م ، يلح علي فضيلته ضرورة الالتزام الحرفي و حتمية التقيد النصي بما يسمى ” الخطبة الموحدة” من دون تغيير و من دون تعديل…. و هو ما التزمت به طوال الشهور الماضية لأنني كنت أتصور أن إلزام خطباء مغربنا الحبيب بهذه الخطبة الموحدة ما هو إلا إجراء مؤقت سينتهي كابوسه كما تنتهي الأحلام المزعجة عندما يستيقظ منها النائم فيصحو بعد أن كان يغط في نومه عميق …
إنني ، و إذ أحيي في السيد المندوب المحترم عنايته الكريمة و أشكر لفضيلته حرصه على أداء مهمته الإدارية أنبه نظره في الوقت نفسه على على المنحى التطوعي في ممارستي لخطة الخطابة يوم الجمعة….
عندما نهضت بواجب الخطابة يوم الجمعة في شهر شتنبر من عام 2005م لم أكن أقصد أصالة التكسب المادي باعتلاء هذا المنبر لأنه واجب كفائي يتطوع له المسلم، و بالأحرى العالم المسلم إذا تهيأ لذلك.
إن العبد الضعيف من هؤلاء العباد الذين يكتفون بالتكسب بمهنتهم الأستاذية و بما ينجزونه من أعمال متنوعة داخل وطننا الحبيب الملكة المغربية و خارج هذا الوطن.
نعم إنني إنما تطوعت و أتطوع وحسب لأداء هذا الواجب الكفائي لأنه قد يؤديه غيري أداء أحسن مني بكثير أو بغير كثير….
آن الأوان كي أستريح من أداء هذا الواجب التطوعي فأعفي نفسي من أدائه حتى أتمكن إن شاء الله من مواصلة صنف آخر من الواجبات العلمية و الالتزامات العائلية.
آن الأوان بعد مضي اثني و عشرين عاما لأسهم في فتح الباب لغيري من الشباب كي يتحمل مسؤوليته في البلاغ المبين لهذا الدين الذي ختم الله تعالى رسالاته إلى العالمين.
لقد مارست خطة الخطابة يوم الجمعة انطلاقا من تصوري أن الخطيب في منبر الجمعة هو امرؤ يجب عليه في صبيحة هذا اليوم السعيد أن ينتج خطبته فيصنعها على عينيه و يسعى في ذلك بكل ما يستطيع من صدق و بكل ما رزق من إخلاص، تماما كما يسعى إلى كسب رزقه اليومي.
الأصل الذي لا ينبغي أن يحيد عنه هو أن يسعى الخطيب إلى كسب خطبته بجهده و باجتهاده و لا يكتفي بقراءة ما يكتبه غيره، و ذلك بغض النظر عن نوعيته و عن ضرورته و عن قيمته و عن مستواه و عن مقامه، و عن وظيفته ….
إن الدين الإسلامي الذي جاء به الرسول الخاتم محمد بن عبد الله عليه الصلاة و السلام دين توحيد، لأن الناس في ضوء هذا الدين موحدون في الإيمان بوحدانية الله تعالى و باختلاف ما عداه. أعني إن البشر عند خطيب الجمعة متوحدون: متوحدون يجمعهم الإيمان بوحدانية الله تعالى في ربوبيته، و في ألوهيته، و في صفاته، و في أفعاله و في غيرها من عقائد الإسلام المعلوم منه ضرورة، و متوحدون في الالتزام بأخلاقه بقيمه و بتشريعاته… و البشر عنده أيضا متوحدون يجمعهم أيضا الإيمان بأنهم خلفاء في الأرض يتميز بعضهم عن بعض في مجابهة أنواع الابتلاءات: تارة الإبتلاء بالشر و تارة أخرى الابتلاء بالخير، و يتمايز بعضهم عن بعض في البيئات و في الأوضاع الوجودية المتعددة و في القدرات و الطاقات الإنسانية المتعددة.
إن الجمع بين هذا الإيمان بالتعدد البشري و ذلك الإيمان بالوحدانية الاعتقادية و الأخلاقية و القيمية و التشريعية هو جوهر المعادلة التي يتعين العالم المسلم معالجتها فينجح او يفشل بهذا المقدار أو ذاك. و عندما نغيب هذه المعادلة التوحيدية، بقصد أو بغير قصد، بوعي أو بغير وعي….عندما لا نعالجها بصدق و بإخلاص و بذكاء أيضا يبتعد خطابنا الإسلامي أيا كان مجاله و أيا كان مستواه عن السداد في القول، بل و يبتعد عملنا، بهذا القدر أو ذاك عن الصلاح فيقع تدبيرنا في مهاوي التخبط و الغموض.
هذه خلاصة من أهم الخلاصات التي استخلصتها من ممارستي لخطة الخطابة منذ أكثر من عقدين من الزمان . أرى، انطلاقا منها، أنه لا ينبغي لكل من يدبر أمر هذه الخطة الدينية في الإسلام أن يغفل أو يتغافل أن الإيمان بالجعل الإلهي للإنسان خليفة في الأرض ليس و حسب أمرا اعتقاديا و إنما هو أمر منهجي لأنه يستتبع الالتزام بمنطق سديد في التخاطب يسلم صاحبه سلفا بأن الله تعالى جعل البشر خلفاء في الأرض يمارسون كل في موقعه، و كل في واقعه ، و كل بحسب بيئته، و كل بحسب ظروفه الوجودية، و كل بحسب إمكاناته و طاقاته المتعددة، يمارس كل منهم مهمة الخلافة في الأرض بكل ما تقتضيه من مسؤولية تقتضي المحاسبة و المراجعة.
لقد مارست خطة الخطابة منذ ما يزيد عن عقدين من الزمان، مارستها بحمد الله وبتوفيقه من دون تضييق وبكل حرية وبكل مسؤولية… وتمضي السنون فتطلع على خطباء مغربنا الحبيب هذه “الخطب” التي بدأت في صيغة اقتراحية لتصبح بعد ذلك “خطبة موحدة” لا يجوز التهاون في الالتزام بهـا . دليل ذلك ما جاء في مذكرة السيد وزير الأوقاف والشؤون الإسلامية: “الأخذ بخطب الجمعة الصادرة عن المجلس العلمي الأعلى لأن المدة التي مُدت من بدايتها كافية بالاقتناع برصانتها وباندراجها في خطة مؤصلة يهدف بها العلماء إلى تسديد التبليغ”. يُراجع المذكرة الوزارية بتاريخ 26 فبراير2026م، تحت رقم 1/2026/1/1.
إن الممارسة هي الشاهد الصحيح على ما نمارسه من أخطاء تستوجب المراجعة ، و هي أيضا الشاهد الصحيح على ما نمارسه من صواب يستوجب العض عليه بالنواجد …لقد شهدت الممارسة، على الأقل بالنسبة لي، على أننا نهوي عند الالتزام التام بهذه الخطب الموحدة في مهاوي ما لا تحمد عاقبته من الأخطاء… و عليه يقتضي المنطق السليم أن نقول أننا عندما تتكاثر هذه الأخطاء فما علينا إلا ان نرجع عن أخطائنا، و ما علينا إلا نراجع سلوكنا الخطابي لأن الرجوع إلى الصواب خير من التمادي في الخطأ….
لقد سبق لي أن عبرت عن موقفي من هذه الخطب ” المقترحة” و التي أصبحت ” الخطب الموحدة “، كما في الفصل الأخير من كتابي النظرية المقاصدية و المنحى الاجتهادي للفكر المقاصدي، نعم حاولت طوال شهور من العام الفارط التقيد بها فوجدت نفسي غير قادر على التقيد بهذا الالتزام لأنه حولني، و الحق يقال، من منتج و من صانع إلى مجرد مستهلك و “قارئ” لما يكتبه غيري، و هذا يعاكس و يناقض مساري و نهجي المستقل عن أي وصاية خارجية و عن أي انتماء إلا شرف الانتماء إلى أمتي و بلدي : أمتي الإسلامية، و بلدي المملكة المغربية .
لقد أثبتت التجربة التاريخية أن الحاضرين لخطبة الجمعة ليسوا جميعا نسخا كربونية متماثلة في أشكالها و في رسومها و في مضامينها و في مغازيها….
إن المفروض فيهم أن يجملهم الهدوء الذي يبعدهم عن اللغو و يهيئهم للإنصات إلى ما يلقيه الخطيب…. هذا هو المفروض، و لكن المفروض أيضا في هذا الخطيب الذي يخاطبهم أن يراعي اختلاف مراتبهم. صحيح أنه يجب أن يصيخ الحاضرون أسماعهم لما يلقى إليهم، و لكن لا يجب في الوقت نفسه أن يذهب الظن بالخطيب انهم متماثلون في هدوئهم و في صمتهم و في إنصاتهم و في تفاعلهم…. كلا ليس الأمر كذلك لأن منهم العبقري أو الماهر الذي تكفيه الإشارة أو اللمحة الدالة، و منهم المحتاج إلى البيان الواضح الدقيق، و منهم الشغوف بالصورة الفنية و بالفصاحة اللسانية، و منهم…. و منهم…. أعني أن الخطيب الناجح لا يجدر به ان يغيب عن باله، و لو لبرهة، أن من بين الحاضرين حاضر و كأنه وحده أمة قائمة الذات.
عندما يتبين الخطيب سنة الاختلاف في التلقي الإنساني يجب عليه أن يجمع في خطبته بين ما يوحدهم من إيمان بالله تعالى و من عمل بشريعته و ما يوحدهم من إيمان أيضا بانهم خلفاء في الأرض خلقوا مختلفين…. التوحيد في الإسلام هو توحيد للبشر في الإيمان ليس و حسب الإيمان بوحدانية الله تعالى و بوحدة شريعته و إنما توحيدهم أيضا في الإيمان بأن ما عدا الله تعالى متعدد و يجب أن يقوم على التعدد.
و عليه يمكن القول، و بكل اطمئنان، أنه لا سداد في خطبة الجمعة من دون مراعاة صاحبها لهذا الاختلاف في التلقي….
إنني لا أمل من تكرار القول مدويا أنني لا أريد لخطبنا يوم الجمعة أن تكون قولا أعرجا يفتقر إلى الرؤية المتوازنة التي تدقق قبل أن تحكم و تعمم… كلا، أريد أن يكون قول الخطيب يوم الجمعة قولا سديداً يستهدف صاحبه الحاضرين باعتبارهم خلفاء في الأرض ، نعم خلفاء في الأرض و بغض النظر عن اختلاف مراتب تلقيهم وتفاوت تعقلهم، و بغض النظر أيضا عن اختلاف أوضاعهم و تطلعاتهم…. كل واحد منهم ينبغي أن يجد في خطبة الجمعة ما يحرك قلبه إلى ذكر الله تعالى، و كل حاضر منهم يجب أن يجد فيها ما يوقظ ضميره، و كل مستمع لها يجب أن يجد فيها ما يجدد فكره و ما يستنهضه بعد صلاة الجمعة إلى الانتشار في الأرض و إلى ابتغاء فضل الله تعالى …إن الحاضرين لخطبة الجمعة هادؤون في تلقيها، نعم هذا ما يزين وجودهم، و لكن ما يزين الخطيب فيها أكثر ان يكون قوله فيها قولا سديدا.
إن القول السديد في خطبة يوم الجمعة ليس مـجرد بيان عقلي بارد يستند إلى الـمماحكات والـمحاكمات النظرية والاستدلالات الـمنطقية الـمسلمة…
القول السديد في خطبة يوم الجمعة ليس مجرد بيان عاطفي يشهد له الصدق في النية و الإخلاص في القصد…
القول السديد في خطبة يوم الجمعة ليس مجرد بيان اجتماعي أو سياسي أو اقتصادي أو فلسفي يتبصر صاحبه بالمعطيات وبالممكنات التي تكون عليها التنشئة الاجتماعية أو السياسية أو الاقتصادية أو الفلسفية…
القول السديد في خطبة يوم الجمعة ليس مجرد وعي دقيق بالمعطيات الواقعية التي تحكم عوالم المال والتجارة والاقتصاد و السياسة…
القول السديد في خطبة يوم الجمعة ليس مجرد تدبير للإكراهات وللأحوال وللظروف الباسمة أو الكالحة التي تحكم الأوضاع الأمنية و العلاقات الدولية…
لا يحصر صاحب القول السديد نفسه في جانب من هذه الجوانب ينفخ في قوالبه ويضخم في بياناته من دون تبصر أو من دون وعي بغيره من الجوانب؛ لأنه لو فعل ذلك لكان حاله حال الديماغوجي الذي يمشي مكباً على وجه واحد…
القول السديد في خطبة الجمعة قول علمي يوازن صاحبه موازنة دقيقة بين كل هذه الجوانب العقلية والعاطفية والاجتماعية والسياسية والمادية. و للموازنة في القول التسديد مقتضيات لا بد أن يراعي الخطيب الحد الأدنى من مقاديرها، و لا بد أن يكون خطبائنا على بال تام من مقتضياتها المتنوعة. لذا إن الحاجة ماسة و ضرورية أن أن تكون هذه المقتضيات مادة علمية من المواد الدراسية و التربوية في معاهدنا الدينية.
مقتضيات معرفية ترتبط بمنطق الخطابة…
ومقتضيات ذاتية تتعلق بشخصية الخطيب وبما يتوفر عليه من طاقات و ما يتمتع به محاسن وما يعانيه من عيوب ونقائص…
و مقتضيات إنشائية تتصل بكيفية تأليف ما يرتجله و ما يلقيه إلى الحاضرين…
و مقتضيات تنسيقية تتصل ببنية الخطبة و مضمونها،
و مقتضيات تأسيسية تضبط أركانها….
و مقتضيات مقاصدية تستهدق مقاصدها المتعددة، و خاصة مثل مقصد ذكر الله تعالى…
و مقتضيات نقدية تتصل بالأفعال التي تستوجب الاستنكار لأنها تهوي بأصحابها في مهاوي التطرف، سواء التطرف في جهة الغلو والتشدد أو التطرف في جهة الميوعة والانحلال.
و مقتضيات عملية تجعل الخطيب يذكر الناس بضرورة العمل الصالح في حياتهم…
القول السديد، انطلاقا من هذه المقضيات، قول علمي يوازن به الخطيب بين جوانب البيان و يعطي، و بكل جرأة مؤسسة، لكل واحد منها حقه من التقدير بدون زيادة ولا نقصان. القول السديد، انطلاقاً من هذا التوازن، هو الذي يجعل صاحبه يمشي في أرض واقع الناس سوياً على صراط مستقيم. و صدق الله العظيم في قوله “اَفَمَنْ يَّمْشِے مُكِبّاً عَلَيٰ وَجْهِهِۦٓ أَهْد۪يٰٓ أَمَّنْ يَّمْشِے سَوِيّاً عَلَيٰ صِرَٰطٖ مُّسْتَقِيمٖۖ”.
و الله المستعان و الموفق للصواب .
=====
مراكش 31 غشت 2026 و الله الموفق للصواب
مقتطف من كتابي ” من وحي الذكريات و المذكرات “- قيد الإعداد و النشر إن شاء الله





