العدل والإحسان وأفق المشاركة السياسية(الجزء الثاني)

الجزء الثاني

بقلم :عبد الرحيم مفكير

وتم تحديد إمكانات العمل التنفيذي في ثلاثة خطوط أساسية:

1- الدخول في تعددية الأحزاب والترشيح للانتخابات وما يقتضي هذا من علنية العمل والمرونة الدائمة وطول النفس

2- الخط المتميز والقوة والتمرد والرفض

3- خط التنفيذ بالقوة بعد أن يتم الإعداد نفسه ص: 45/46/47/50 بتصرف.

 تنهيج الدعوة عند الجماعة كما يعبر عنه ضريف يستوجب أمرين ” تفعيل” الممارسة و ” تحيين الخطاب”، وتفعيل الممارسة يفيد توسيع مجال الدعوة، وتراهن الجماعة على ” جماهيرية” الدعوة وتحرص على توسيع مجالها كي ” تصل إلى المدارس والجامعات والنقابات  والتعاونيات، والجمعيات المهنية، والثقافية والنسوية، واتحاد الرياضة والشباب، وما إلى ذلك من المنظمات والتجمعات الموجودة فعلا” المنهاج النبوي ص 53 / 137.

وتتحقق هذه الجماهيرية عبر التغلغل في أوساط الشعب، فمكان المؤمن في مجالس الناس ونواديهم وكلمته ” لكل من لقي عضوا في تنقلاته في الحافلة، وفي مدرسته، ومكتبته، ومعمله، وجواره، وشارعه …. ولا يترك الفرص تأتي عفوا بل يهيئها بقصد الناس” نفسه.

ولا بد من مراعاة طبيعة الجماهير التي تفترض ضرورة تحيين الخطاب مما يستلزم منح الأولوية للمسألة الاجتماعية. ومحورية المسألة الاجتماعية تأتي من ضرورة إبراز شمولية الإسلام: إسلام يهتم بالدين، والدنيا، بالسماء والأرض، وإظهار فاعلية الإسلام. جاء في المنهاج” فالعمال تحت الفتنة ينتظرون أن يوفر الإسلام عملا، الجائعون يريدون خبزا، المحرومون يريدون إنصافا، الشباب يريدون تعليما ومستقبلا…. الفلاحون يريدون أرضا، الكل يطالب” نفسه ص 273.

 كما تستوجب محورية المسألة الاجتماعية تبيان واقعية الإسلام. وعلى جند الله إبرازا لواقعية الإسلام أن يميزوا بين خطاب الإحسان والإيمان، وخطاب الإسلام، واستحضار الحقيقة الثابتة ” أنه في أذن الجائع لا يسلك إلا صوت يبشر بالخبز، في وعي المقهور المحقور لا يتضح إلا برهان الحرية… فمن كان شغل يومه ونهاره هم القوت، والمأوى، والكسب، والشغل، والدين، ومرض الأطفال ومصير الأسرة ، لن يستمع لعرض المبادئ العليا ولو كانت دينا يؤمن به، لا وقت له، لا استعداد، لا مناسبة” الإسلام وتحدي الماركسية الليلينية ص 12.

السؤال الذي يطرح بإلحاح ما منهاج الإسلام في السياسة والاقتصاد، والاجتماع، والتربية، والتعليم، والصناعة، والتجارة، يجيبنا ذ عبد السلام ياسين رحمه الله” نحن بحاجة لخطاب يبلغ الأسماع ويخرق الحصار الإعلامي. أقصد نظرة اجتهادية إسلامية شاملة شمولية تبين للمثقف والعامل، والفلاح، والرجل، والمرأة، والصديق، والعدو كيف يصبح القرآن وهو طلبة المسلمين المستضعفين قانونا عمليا يوجه الحياة اليومية ويقسم الأرزاق وينظم الاقتصاد ويصنع البلاد وينصر دين الله في الأرض” مجلة الجماعة مرجع سابق ص 28/31 بتصرف.

  ذ عبد السلام ياسين رحمه الله، بعد أن أصل لمفهوم العمل وأهميته في الإسلام أكد على حقوق العمال ” يجب أن تعطى للعمال حقوقهم الفردية فيما يخص الأجرة العادلة، وظروف العمل، ومؤونة الأسرة، وصيانة الصحة، وتربية المهارة، وترقية المرتبة، وتوقيت الشغل…. إلى أن يقول إن اقتصر القانون على تسمية الحقوق الفردية وترك التطبيق لإرادة المشغلين فستؤول النزاعات الفردية بين العامل ومشغله إلى الحل التعسفي الذي يأكل القوي بمقتضاه الضعيف. كان العامل عسيفا، ويكون تحت نظام جاهلي، وتقاس إسلامية الدولة برفعها العسف عن العامل ” ذ: عبد السلام ياسين: في الاقتصاد البواعث الإيمانية والضوابط الشرعية ص 177/184 بتصرف.

 وفي نفس الفصل عرف بالنقابة وحدد مهامها يقول ” يجب أن تقوم النقابة تحت ظل دولة القرآن بغير المهام التي تقوم بها نقابات الشيوعيين من كونها أداة من أدوات الدولة. ويجب أن تسلك أسلوبا غير أسلوب الإضراب والعنف الذي تسلكه نقابات الرأسمالية وأصحاب الشغل… نقابات تفاوض، وتضغط معنويا وقانونيا، لا نقابات رفض وتخريب. وعلى الدولة أن تقدر المصلحة وتحمي العسيف لتلتقي بواجبها في الجمع بين مصلحة الأمة كلا ومصلحة المستضعفين عضوا حيويا في الأمة، تضيع الأمة بضياعه، وظلم العسيف خراب” نفسه ص 184/ 185.

هذا التأصيل تبعه تأسيس الدائرة السياسية وهي إطار يعنى بكل ما يتعلق بالشأن العام من خلال رؤى وتصورات الجماعة في المجالات السياسية والاقتصادية والاجتماعية. لم يكن تأسيس هذا الجهاز تغييرا لمسار الجماعة أو إعادة النظر في ثوابتها، فمنذ أن رفعت الجماعة شعار “العدل والإحسان” سنة 1987 حددت بوضوح الغايتين الساميتين لمشروعها المجتمعي والدعوي وأعلنت على أن هم الارتقاء الفردي في مدارج الإيمان وهمَّ تحقيق العدل ونصرة المستضعفين متلازمان في تصورنا. فالله سبحانه وتعالى يقول : “إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي يعظكم لعلكم تذكرون” (سورة النحل الآية 90) ورسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : “من أصبح وهمه غير الله عز وجل فليس من الله في شيء ومن لم يهتم للمسلمين فليس منهم  والعمل السياسي ليس طارئا في الجماعة وإنما هو من صميم منهاجنا العدلي الإحساني كما يعبر عن ذلك الأستاذ المرشد عبد السلام ياسين رحمه الله بقوله : “السياسة بعض من شأننا“. وقد جاء تأسيسها تعبيرا لرفض التضييق المخزني على الجماعة، حيث توالت مبادراتها السياسية وأصبح لها حضور قوي في الشارع المغربي، بل إن جرأتها في الحق أسست لخطاب سياسي وحقوقي جديد يرفض الخطوط الحمراء ويفضح الفساد أيا كان مصدره.  ومع تنامي قوة الجماعة وتعدد واجهات عملها واستشرافها للمستقبل وفي وقت تأكد فيه لجميع المتتبعين لأحوال المغرب أن التدبير الرسمي يعيش حالة اختناق أوصلته إلى الباب المسدود، وأصبح فيه المغرب على مشارف مرحلة جديدة تقتضي استنهاض همم جميع أبنائه وتكثيف جهودهم من أجل المساهمة في عملية تغيير شامل وجدي، ارتأت الجماعة تأسيس الدائرة السياسية كإطار متخصص ذي هدفين أساسيين :أ‌. الإعداد للمستقبل ب‌. السعي لتوحيد جهود الفاعلين السياسيين

إن الجماعة تعتبر أن أزمة المغرب أكبر من أن يتصدى لها طرف واحد, وأنه قد آن الأوان للم شمل كل طاقات هذا البلد الحبيب والبحث عن روح الوحدة الكامنة في النفوس والتي يفرضها الواقع والتحديات التي يواجهها المغرب في هذه الفترة العصيبة من تاريخه. من هذا المنطلق تسعى الدائرة السياسية للتواصل والحوار والتعاون مع كل مكونات المجتمع المدني والتحضير لميثاق إسلامي يوفق بين جميع الرؤى ويوحد كل الجهود.

وكان من المبادئ الأساسية للجماعة  في عملها السياسي التي تمثل ثوابت في تصورها وضمانات لعدم انحراف ممارستها السياسية عن سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم نذكر منها : أ‌. التربية قبل كل شيء و التربية مع كل شيء و التربية بعد كل شيء ب‌. الولاية بين المؤمنين والمؤمنات ت‌. نبذ العنف ث‌. نبذ السرية ج‌. نبذ التبعية للخارج ح‌. ضرورة الحوار والتنسيق على أرضية الإسلام.

إن جماعة العدل والإحسان إذ تطرح هذا الاختيار تستحضر أن هناك أصولا إسلامية جامعة، وفروعا وجزئيات وسبلا ووسائل متعلقة بالمتغيرات لا تضر معها تعدديةُ الرؤى والمناهج، وتعدديةُ الدعوات والتنظيمات، بل ربما تكون هذه التعدديةُ مصدر ثراء تنظيري و فكري.  إن سلمنا بأن ضامن الوحدة في بلدنا هو الإسلام أمكن أن نبحث بعد ذلك عن القواسم المشتركة التي تجمعنا وأن نحدد مجالاتِ التعاون ومجالاتِ الاختلافِ والتأكيدِ على إمكانيةِ التعايش مع الاختلاف.  ما يمكن أن يجمعنا، حسب الجماعة، كثير؛ سواء على مستوى القطر، أو على مستوى الأمة العربية والإسلامية جمعاء. 
فهناك مجالاتٌ فسيحةٌ للعمل المشترك، منها التعاون الجاد في مجال الدفاع عن الحريات وحمايةِ حقوق الإنسان والتعدديةِ السياسيةِ واحترام الرأي الآخرِ واحترامِ حقِّ المعارضةِ والتداول السٍّلمي على السلطة لمنع التسلط ولمنع الحروب الداخلية.

على هذه المرتكزات تتصدى الدائرة السياسية للأهداف الكبرى للبرنامج السياسي لجماعة العدل والإحسان والتي يمكن إجمالها فيما يلي: تحقيق الشورى ، تحقيق العدل ، الحرية ، الوحدة ( انظر موقع عبد السلام ياسين ).

يتبع

About الجديدة نيوز

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

*

x

Check Also

إسرائيل تفشل في إقناع المغرب في لعب دور لإطلاق سراح الإسرائيليين من “أصول مغربية” لدى فصائل المقاومة الفلسطينية.

منقول الصحيفة – م. أرباط -ح. المتيوي. قالت إذاعة “كان ريشيت بيت” العبرية، إن إسرائيل ...