أخبار

الاحتفالية بين المسرح الغني والمسرح الفقير

عبد الكريم برشيد

فاتحة الكلام

نعم، الغنى في التعدد، وهو التعدد في اجمل وأصدق كل معانيه، وهذا الاحتفال الذي يجمع الناس، في مكان واحد وفي زمان واحد، حول سؤال واحد، وحول قضية واحدة، ماذا يمكن ان يكون ؟
هو الامتلاء بكل تاكيد، وهو الفيض بلا شك، اما العيد، في حياة الناس، فهو اقتسام اللحظة واقتسام الفضاء واقتسام الإحساس .. هو اقتسام الإحساس الواحد والفكرة الواحدة، وذلك في المكان الواحد وفي الزمان وفي المناخ الوجودي والفكري الواحد
اما فعل الحضور، في الحياة، فماذا يمكن ان نقول عنه؟
هو الحياة .. كل الحياة، وهو عنوان الوجود في الحياة وفي الوجود، واما الغياب فما هو إلا الموت، او هو أول درجة في سلم الموت، او في سلم العدم
وعندما يغيب هذا التعدد، في الساحات وفي الفضاءات وفي المناسبات، وعندما لا يكون له وجود في الرؤى وفي الأفكار وفي الحالات وفي المقامات وفي الاختيارات، فإنه ساعتها لا يمكن ان يحضر فينا ومعنا إلا .. الفقر، هو وحده لا شريك له، وماذا يمكن ان يكون الفقر سوى انه بوابة من بولات الموت؟ ومتى كانت الطبيعة فقيرة، ومتى كانت الحياة فقيرة حتى يجوز ان نكون نحن الأحياء فيها فقراء؟
وهل هذا الكون بكل كواكبه واقماره ونجومه فقير، حتى لا نكون نحن مثله؟
وهل هذا الوجود، بكل مافيه من حيوات متعددة، فقير حتى لا نكون نحن اغنياء مثله؟ سواء في حلمنا، أوفي طموحنا، أو في خيالنا، او في ارواحنا، او في افكارنا، او في مشاهاداتنا، او في اعمارنا، او في تعبيراتنا الفكرية و الأدبية والفنية الغنية؟
ومع هذا التعدد، وفيه، يكون الاختلاف دائما، موجودا وجودا حقيقيا، ويكون حضوره حضورا شرعيا، ومع غياب التعدد والاختلاف فيه، فإنه لابد ان يغيب كل شيء جميل ونبيل في الحياة وفي الوجود، ولا يحضر إلا التخلف، ولا يحضر إلا المتخلفون، ولا تحضر إلا الرؤية المتخلفة، ولا تحضر إلا المقاربات النقدية الناقصة و المتخلفة، وهل هذا النهار المشرق لا يختلف عن الليل المظلم؟ وهل الأبيض لا يختلف عن الأسود؟ وهل الارض التي تحتنا لا تختلف عن السماء التي فوقنا؟ وهل النوم لا يختلف عن الموت؟ وهل التوءم لا يختلف عن اخيه، مع انهما خرجا من نفس البطن؟
وفعلا يمكن ان نحضر، ومن حقنا ان نحضر نحن الأحياء في الحياة حضورا كاملا و شاملا، ولكن اين نحضر؟
في عين المكان المحدد في الدعوة الى الحضور ام خارجه؟
وهل هناك مكان ممكن الوجود، يمكن ان يكون له وجود خارج كل هذه الأمكنة الموجودة في الوجود؟
ومتى يمكن ان يكون هذا الحضور؟
في التوقيت الحقيقي, والذي تحدده الساعة، ويضبطه التاريخ ام يكون خارجهما؟ اي خارج الساعة وخارج التاريخ؟
ومع من يمكن ان نحضر ؟ مع الذين يشبهوننا ونشبههم، والذين يقبلون الاختلاف والتعدد مثلنا، والذين يؤمنون بالحوار و بالحق في الاختلاف، ام مع الذين يسعون، سرا وعقلانية، من اجل ان نكون إلى جانبهم مجرد اثاث ومجرد ديكور، و مجرد صدى ، وحرك ظلال متحركة ومجرد عدد بشري, او شبه بشري، لا أقل ولا أكثر؟
ومن باب هذا الغنى في التعدد، جاءت هذه الاحتفالية إلى الوجود، وكانت بذلك مسرحيات لا تشبه إلا نفسها، ولا تشبه إلا ثقافتها، ولا تشبه إلا امها الحياة الغنية، وكانت بذلك ازمانا إبداعية اخرى جديدة، تضاف الى الزمان الوجودي و التاريخي، وكانت حياة تفيض حيوية، وكانت حركة جديدة في التاريخ، وكانت طاقة فكرية و وجدانية محركة، وكانت احتفاليات مسرحية حافلة بالشخصيات الانسانبة وبالمواقف وبالأفكار وبالمعاني وبالحالات وبالصور وبالمڜاهدات وبالحوارات وبالنبوءات
أبو الفنون لا يمكن أن يكون فقيرا:
واذا كانت هذه الاحتفالية قد دعت إلى الغنى والتعدد، وإلى الرؤية العيدية الغنية، فقد كان هناك من دعا إلى الفقر في المسرح ومن دعا الى العبث في المسرح، ومن دعا الى الايديولوجية في المسرح، ومن دعا الى الفوضوية في المسرح، ومن دعا الى العدمية في المسرح
وفي فضاء المسرح العالمي دعا المخرج البولوني الكبير جيرسي غروتوفسكي إلى مسرح فقير، ودون دعوته هاته في الكتاب الذي اعطاه اسم ( نحو مسرح فقير) وقبل هذا كان كان الكتاب مجرد مقالة، واذا كان الفرح الغني، بالحالات والمقامات الجميلة، هو المطلوب في حياة كل الناس في الحياة، فهل يمكن للفقر ان يكون غاية من غايات الإنسان في الوجود، سواء في حياته الاجتماعية أو السياسية أو الاقتصادية أو الفكرية أو الجمالية او الأخلاقية؟
وهل يحتاج الفقر فعلا لأن نبحث عنه، وان نركب قطار البحث والتجريب المسرحي من اجل الوصول إليه؟
بالتاكيد لا يمكن، لأن ما ينبغي البحث عنه هو الغنى، في مسرح الحياة وفي حياة المسرح، وفي حياة كل الاجناس الأدبية والفنية المختلفة
و”المسرح الفقير” هو نظرية مسرحية أطلقها المخرج البولندي جريزي غروتوفسكي في ستينيات القرن العشرين، وهي تقوم اساسا على الاختزال وعلى التقشف وعلى الاقتصاد، وذلك في الأدوات وفي التقنيات وفي الآليات وفي الـمؤثرات الضوىية والصوتية، وفي الأزياء والاعتماد فقط على الممثل المسرحي، وعلى الجمهور المسرحي، والباقي؟ هل هو مجرد زوائد فقط، ام هو اللغة المسرحية، في كليتها وشموليتها وعددها، وهو البلاغة المسرحية التي لا غنى للشعرية المسرحية عنها؟
وهل في الوجود والحياة ما يمكن ان يعتبر زوائد يمكن حذفها و الاستغناء عنها؟
و النص المسرحي، في الفضاء المسرحي وفي المناخ المسرحي، وفي الزمان المسرحي، وفي التاريخ المسرحي، متى كان عنصرا زائدا وبلا معنى؟
وهل الزي في المسرحية بلا معنى؟ وهل هذه الحياة إلا كرنفال بطله الزي و القناع؟
وهل الإضاءة في المسرحية بلا معنى؟ سواء اتعلق الأمر بالإضاءة المادية أو الإضاءة الرمزية؟
وهل الأشياء في المسرح، وهي تشاركنا الوجود، وتقتسم معنا هذا الفضاء، يمكن ان تكون زائدة وبلا معنى؟
وهل التأثيث المسرحي، والذي قد يشبه بيوتنا او لا يشبه بلا معنى؟
ونعرف ان الطبيعة تعتمد نظام التدوير، بمعنى ان نفس المواد يمكن توظيفها بشكل جديد ومتجدد، وهذا نفس ما كان يقوم به الحكواتي الشعبي في الحكي الشعبي، والذي كانت مهمته هو ان يستخرج التعدد من الواحد، وان يجعل تلك العصا التي في يده، تصبح كل شيء، وان تصبح بفعل سحري سيفا او رمحا او جسد يكلمه، وان تكون مثل عصا موسى عليه السلام، والتي كانت مهمتها ان يتكئ عليها، وان يهش بها على غنمه، وان تكون له فيها (مارب اخرى) وكل شيء نستخدمه، في مسرح الوجود وفي المسرح المسرحي، يمكن ان تكون لنا فيه مارب اخرى كثيرة، مما يعنى أن هذا الكون غني، وان كل الأشياء التي فيه غنية، اذا عرفنا كيف تستخدمها، وبذلك يكون الفقير الحقيقي في المسرح، هو الذي لا يستطيع ان يدرك التعدد في الناس وفي الاشياء وفي العلاقات وفي المشاهدات، والذي لا يستطيع ان يصل درجة الشاعر في شعرية المسرح، والذي لا يستطيع ان يدرك درجة الساحر في كيمياء المسرح
من يسبق الزمان ليس كمن يسبقه الزمان:
يقول نتشه (سيد الزمان هو الآتي في غير زمانه) وبالنسبة إلينا فإن سلطان الزمان هو الذي ياتي قبل زمانه، اما من ياتي بعد زمانه، فإنه من الممكن ان يكون له وجود في الواقع، ولكنه لا يمكن ان يكون له وجود في التاريخ
وفي الاحتفال، فإنه لا يمكن ان يكون لفعل هذا الاحتفال معنى إلا بحضور الآخر، وان يكون في هذا الحضور شخصا فاعلا و متفاعلا وومشاركا، وان لا يكون مجرد صوت في مظاهرة، او مجرد رقم في حشد جماهيري، وكلما اتسع فضاء هذا الاحتفال، واتسعت المشاركات الفاعلة والصادقة فيه، إلا وكان الفرح فيه أكبر واصدق واجمل
واسوا شيء، هو ان يكون لك شيء واحد، من بين كل الأشياء، الكائنة والممكنة، وان تعتبر هذا الشيء الواحد هو اهم الأشياء وأخطر الأشياء، وان ما وصلت إليه هو منتمى العالم، وان عند حقيقتك يمكن ان تنتهي الحقيقة، ومثل هذا التفكير، او اللاتفكير، هو الذي اعطى النازية، وهو الذي اعطى الفاشية، وهو الذي اعطى الصليبية، القديمة والجديدة، معا، وهو الذي اعطى الحركات الدينية المتطرفة، والتي لا ترى في الوجود إلا وجودها، والتي لا تعترف باي فكر إلا فكرها، لا باي فن إلا فنها .. وهذا امنت فعلا بالفن
ويرى الاحتفالي، بان ما عنده لا يمكن ان يكفيه، وان ما عند الآخر.هو شيء اخر، وهو لا يمكن ان يكون إلا عنده، ولكن من الممكن ان نشترك فيه، وان نقتسمه، وان ما يمكن ان ياتي به الآخر له قيمته بكل تاكيد، ومن المكن جدا ان يغني الحوار، وان يضيف إليه ما يغنيه او ما يجمله او ما يصححه أو ما يكمله
بهذه القناعة، اصدر الاحتفاليون (البيان الجماعي) والذي هو بيان يكشف رؤية جماعية، ويكشف موقفا جماعيا، ويكشف حساسية جمالية عامة
وهناك من فهم تاسيس جماعة المسرح الاحتفالي فهما خاطئا، معتبرا أن في الجماعبة مذهبية او انها خطوة نحو التميز، او انها نرجيسية، في حين أن الجماعية الصغيرة هي مقدمة للمجتمع الكبير، وان الدخول الى المجتمع الاحتفالي يمر عبر هذه الجماعة الطليعية، والتي كان من مهامها ان تبشر بالفكر الاحتفالي وبالفن الاحتفالير وان تدعو من اجل ان يتحول المجتمع العربي الصغير الى مجتمع احتفالي.وكوني كبير
والأساس في البيانات وفي كل الكتابات الفكرية والجمالية الاحتفالية، هو البحث عن مسرح جديد ومتجدد، مسرح بعيد جدا عن الموسمية، وبعيد عن النمطية، يبدع ولا يتبع، يتحدى الجديد الموسمي بالتجديد التاريخي، اي البحث عن مسرح اخر. يؤسس نفسه، ويكتب تاريخه المستقبلي ابتداء من اللحظة الآن،ـ هنا
وبالنسبة الاحتفالي، فإن كل مسرحية(جديدة) مطالبة بان تؤسس نفسها بشكل جديد، وان لا تعيد ما كان كما كان، وان تسعى، فكريا وجماليا، من اجل ان تبدع الذي سوف يكون، وان توجد مسرحية فيها نبوءة النبي، وفيها معرفة العراف، وفيها سحر الساحر، وفيها حكمة الحكيم، وفيها تجربة الصوفي، وفيها معرفة بالإنسان بالإنسان، وفيها شعرية الشاعر، وفيها خيال الحالم، وفيها مشاهدات المسافر في ذاته وفي المكان والزمان وخارج المكان والزمان
مسرحية تكون كاملة ومتكاملة، تحضر فيها كل عناصر المسرح، ابتداء من الكتابة النصية، ومرورا بالكتابة الإخراجية وتاثيث الفضاء وانتهاء الى ايجاد مناخ خاص بالمسرحية، وإلى ايجاد إيقاعها الخاص ايصا
ليس هناك مجتمع لا يمكن ان يكون به مسرح، ولا وجود لاحتفال شعبي لا يمكن ان يكون روحه المسرح وان يكون جوهره المسرح،
ولا وجود لمسرح لا احتفالية فيه، ولا وجود لمجتمع انساني يمكن ان يكون خاليا من التعيبد الاحتفالي، وفي هذا المعنى
يقول المسرحي المصري عبد العزيز خيون, تعقيبا على ظهور المد الاحتفالي في المغرب.. لقد قال ( لقد ظهر شعار الاحتفالية في المسرح لأول مرة ربما في التاريخ عند روسو في القرن الثامن عشر… يقول روسو مخاطبا دالمبير:ماذا؟ ألا يجب أن يكون هناك أي مسرح في بلد جمهوري؟ بل على العكس، إنه يجب الكثير، ففي الجمهوريات إنما نشأت المسارح، وفي أحضانها نرى الاجتماعات وتتكون بين عناصرها تلك الصلات الرقيقة؛ صلات اللذة والفرح، وتلك الشعوب لديها الكثير مما يحملها على أن تبقى عناصرها موصولة بالمودة والصداقة إلى الأبد)
غنى المسرح من غنى المسرحيين:
وانا الاحتفالي، الواحد المتعدد بالآخرين وفي الآخرين، اقول اليوم ما يلي، ان نجاح الاخرين يسعدني، وحسد بعض الناس لي قد يزعجني قليلا، ولكنه لا ياخذ مني شيئا، فانا لا انتظر مكافاة من اية جهة، ولا اتسابق مع المتسابقين، ولا اتسلق القمم العالية مع المتساقين، ومن كل الأبواب التي يمكن أن يكون فيها الخير، لا أقف إلا على باب واحد، والذي هو باب الله، واعرف ان نصيبي لابد انه سيصيبني، سواء طال الزمان ام قصر،
اما الشهرة، فهي بريق زائل، وهي لا تهمني ولا تعنيني، ولا تقول لي شيئا، واما الخلود، فإنني اطلبه، في الكتابة وفي الأفكار وفي الإبداعات الصادقة وفي الذكر الحسن
وانا فعلا كائن سياسي، مثل كل الناس في دنيا الناس، اهتم بما وقع بالأمس، و اهتم بما يقع اليوم، وانتم بما سوف يحدث ويقع غدا في السلطة السياسية، وفي الحياة الاجتماعية والفكرية، ولكنني بعيد جدا عن الحزبية وعن الاصطفاف العسكري في الصفوف، كما انني لا اومن بالمذهبية، و حيثما يكون الجمال اكون، و حيثما يكون الحق والحقيقة اكون، وحيثما توجد العبقرية الإنسانية فانا موجود
واعتقد ان ما ابحث عنه اليوم مازال بعيدا جدا، وان الوصول اليه صعب جدا جدا، ولكنه بالتاكيد ليس مستحيلا، وهو بالتاكيد ليس سرابا في صحراء، ولكنه حلم كبير، ولأنه كبير فقد أتعبني البحث عنه، وكلما اقتربت منه بخطوة ابتعد عني هو بخطوتين، او ربما بخطوات كثيرة جدا
لقد انطلقت من وجود معرفة محدودة، ولقد كان ممكنا لهذه المعرفة ان تنفد، مع توالي الأيام والأعوام، ولكنها اتسعت، وتمددت وتجددت، وذلك مع وجود الثقة في النفس، ومع وجود التحدي، ومع وجود الإصرار على الحباة، ومع وجود الجراة في الحق، ومع وجود السؤال، ومع غياب شبه تام لوجود شيء يمكن ان يسمى الهزيمة
ولحد هذا اليوم، فإن ما اعرفه، لا يمثل اي شيء امام ما اريد معرفته، وإلى ما اسعى اليه، سواء في الفكر المسرحي، او في الإبداع المسرحي او على خشبة هذا المسرح الكبير، والذي يسمى العالم، او يسمى الدنيا
واعتقد انه لا احد يمكن ان يعطي إلا مما عنده، وان الأرواح لا يمكن ان تفيض إلا بما فيها، والغقول الكبيرة لا يمكن ان تعطي إلا المعاني الكبيرة والأفكار الكبيرة، وان الإبداع الجمالي، في المسرح وفي كل الفنون، ما هو إلا فيض الأرواح الصادقة والجميلة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى