24 ساعةأحزابالواجهةعالم السياسة

النظام العالمي الحالي في مأزق والبديل مفقود

بقلم: عزيز الدروش محلل وفاعل سياسي

يعيش العالم اليوم أزمة عميقة لم تعد تقتصر على الحروب والصراعات السياسية والاقتصادية، بل أصبحت أزمة منظومة كاملة، أزمة مؤسسات وأحزاب ونقابات وبرلمانات وحكومات ومنظمات دولية، وأزمة قيم ومبادئ ومصداقية. لقد وصل النموذج السياسي والاقتصادي الذي حكم العالم لعقود طويلة إلى طريق مسدود، وأصبح عاجزاً عن تحقيق الأمن والاستقرار والعدالة والكرامة الإنسانية.

فمن أوكرانيا إلى الشرق الأوسط، ومن العراق وسوريا و ليبيا و إيران إلى فنزويلا، تتوالى مشاهد الحروب والتدخلات العسكرية والتهديدات وفرض الإرادات، في عالم تحكمه المصالح والقوة أكثر مما تحكمه القوانين والأخلاق. وأصبحت المؤسسات الدولية، وعلى رأسها مجلس الأمن والأمم المتحدة، عاجزة عن منع الحروب أو حماية الشعوب من الاعتداءات والانتهاكات، بسبب ازدواجية المعايير وهيمنة القوى الكبرى على القرار الدولي.

أما الولايات المتحدة الأمريكية، فقد كشفت مواقف دونالد ترامب، وسلوكه في التعامل مع الدول والشعوب، عن منطق سياسي يقوم على فرض القوة والإرادة، بدل احترام سيادة الدول والقانون الدولي. كما أن سجل التدخلات العسكرية الأمريكية في العراق ودول أخرى يطرح أسئلة عميقة حول حقيقة النظام الدولي الذي يتحدث عن الديمقراطية وحقوق الإنسان، بينما تتناقض ممارساته مع هذه الشعارات.

وفي الشرق الأوسط، تظل مأساة الشعب الفلسطيني، وما يتعرض له من قتل ودمار وتهجير، دليلاً صارخاً على فشل المجتمع الدولي في حماية الإنسان، وعلى عجز المؤسسات التي أُنشئت أصلاً لمنع الحروب وصيانة السلم العالمي.

فأين هي الديمقراطية؟ وأين هي حقوق الإنسان؟ وأين هي المؤسسات الدولية التي تتحدث باسم البشرية؟

لقد أصبح العالم أمام مفارقة خطيرة: مؤسسات كثيرة، وقمم ومؤتمرات وقرارات وبيانات لا تنتهي، لكن الحروب مستمرة، والفقر يتوسع، والشعوب تدفع الثمن.

صندوق النقد الدولي والبنك الدولي: نجاح في فرض السياسات لا في إنقاذ الشعوب

وإذا أردنا البحث عن مؤسستين استطاعتا تحقيق أهدافهما بفعالية كبيرة داخل المنظومة الاقتصادية العالمية، فسنجد صندوق النقد الدولي والبنك الدولي. لكن المفارقة أن نجاحهما، من وجهة نظر نقدية، لا يُقاس بقدرتهما على القضاء على الفقر أو تحقيق العدالة الاجتماعية، وإنما بقدرتهما على فرض السياسات الاقتصادية والمالية على الدول والشعوب، وربط اقتصاداتها بشروط القروض والتقشف وإعادة الهيكلة.

لقد تحولت هذه السياسات، في تجارب عديدة، إلى أعباء ثقيلة على الطبقات الفقيرة والمتوسطة، وأصبحت الشعوب تتحمل نتائج اختيارات اقتصادية لا تملك دائماً سلطة تقريرها.

وهنا يطرح السؤال نفسه: كيف يمكن لمنظومة اقتصادية تدّعي حماية الاستقرار العالمي أن تستمر في إنتاج الفوارق الاجتماعية وتوسيع الهوة بين الأغنياء والفقراء؟؟؟

 

المؤسسات السياسية والنقابية والمدنية أمام امتحان المصداقية

لم تعد الأزمة مقتصرة على المؤسسات الدولية، بل امتدت إلى النموذج السياسي الذي تعتمده معظم دول العالم. فالأحزاب السياسية، والبرلمانات، والحكومات، والنقابات، والجمعيات الحقوقية والمدنية، أصبحت في تجارب كثيرة تعاني من أزمة ثقة ومصداقية، وفقدت قدرتها على تمثيل تطلعات المواطنين والدفاع الحقيقي عن مصالحهم.

إن الانتخابات وحدها لا تصنع ديمقراطية حقيقية، كما أن وجود البرلمان والحكومة والأحزاب لا يعني بالضرورة أن الشعب هو مصدر القرار الفعلي.

ولنأخذ المغرب مثالاً. كيف يمكن الحديث عن تمثيلية سياسية قوية عندما تكون المشاركة الانتخابية محدودة، وتظل فئات واسعة من المواطنين بعيدة عن صناديق الاقتراع؟ وكيف يمكن لحكومة أن تدّعي تمثيل شعب بأكمله دون أن تطرح على نفسها سؤال الثقة الشعبية والشرعية السياسية؟

إن حراك الريف واحتجاجات اجتماعية أخرى في المغرب، وما رافقها من نقاشات حول التدخلات الخارجية والاتهامات المتبادلة، يطرحان سؤالاً جوهرياً: لماذا لا نعالج جذور الاحتجاج، من التهميش والفقر وغياب الخدمات والعدالة المجالية، بدل تحويل كل أزمة داخلية إلى مؤامرة خارجية؟

لا أحد ينكر وجود مصالح وتدخلات خارجية في العلاقات الدولية، لكن لا يجوز أن تتحول هذه الحقيقة إلى وسيلة للهروب من المسؤولية الداخلية.

المغرب: ثروات كبيرة ومعاناة اجتماعية مستمرة

وفي الوقت الذي يجري فيه الحديث عن الثروات والإمكانات الاقتصادية للمغرب، يجد المواطن نفسه أمام واقع اجتماعي صعب، وغلاء متواصل، وبطالة، وتفاوتات اجتماعية ومجالية.

وعندما يُطرح دعم المواطنين بمبالغ محدودة، مثل 500 درهم ، على مدى سنوات، مقابل ما يراه المواطن من مظاهر البذخ في تدبير الشأن العام، من سيارات فاخرة لكل المسؤولين السياسيين و خدام الدولة وسفريات وإقامات في فنادق خمس نجوم ودرجة رجال الأعمال، وندوات ولقاءات مكلفة لتبييض وجوههم السوداء، فإن السؤال يصبح مشروعاً:

أين تذهب الثروة؟ ومن يستفيد منها؟

كيف يمكن إقناع المواطن بالتقشف والصبر، بينما يرى مظاهر الامتياز والإنفاق المرتفع لدى بعض المسؤولين؟ وكيف يمكن مطالبة الفئات الفقيرة بتحمل الأعباء، دون أن تبدأ المؤسسات بنفسها في ترشيد النفقات وربط المسؤولية بالمحاسبة؟

والأخطر من ذلك هو تحوير النقاش العمومي، وتحويل أنظار المواطنين من قضايا الفساد والحكامة والعدالة الاجتماعية إلى خطاب المؤامرات الخارجية، وكأن كل إخفاق داخلي لا بد أن يكون وراءه طرف أجنبي.

إن مواجهة التدخلات الخارجية تبدأ أولاً ببناء دولة قوية وعادلة، ومؤسسات نزيهة، ومجتمع يتمتع بحقوقه وكرامته.

من الضرائب إلى الزكاة: أي منظومة تحقق العدالة؟

وهنا لا بد من فتح نقاش فكري وأخلاقي حول طبيعة النظام الاقتصادي والاجتماعي الذي نريد بناءه.

لنقارن بين الضرائب والزكاة. فالضرائب، رغم ضرورتها في تمويل الخدمات العمومية، قد تتحول في غياب الرقابة والمحاسبة إلى مجال للتهرب والغش والتلاعب بالفواتير وتضخيم المصاريف، بينما تقوم الزكاة في فلسفتها الإسلامية على الإيمان والمسؤولية الأخلاقية والتكافل الاجتماعي، وعلى استحضار رقابة الله قبل رقابة الدولة.

فالزكاة ليست مجرد عملية مالية، بل هي مبدأ للعدالة والتضامن وإعادة توزيع الثروة، وتذكير بأن المال ليس غاية في ذاته، وأن للفقراء والمحتاجين حقاً في أموال الأغنياء.

إن المشكلة ليست في وجود الضرائب أو المؤسسات، بل في غياب العدالة والنزاهة والرقابة الحقيقية، وفي تحول السلطة والثروة إلى امتيازات لفئات محدودة.

هل انتهى النموذج السياسي الذي عرفه العالم؟

إن ما نعيشه اليوم يدفعنا إلى طرح سؤال أكبر من مجرد تغيير حكومة أو حزب أو مسؤول. هل أصبحنا بحاجة إلى مراجعة جذرية للنموذج السياسي والاقتصادي والاجتماعي الذي حكم العالم؟

لقد أثبتت التجارب أن الانتخابات وحدها لا تكفي، وأن تعدد الأحزاب والنقابات والجمعيات لا يضمن بالضرورة تمثيل المواطنين، وأن المؤسسات التي لا تخضع للمحاسبة قد تتحول إلى هياكل شكلية بعيدة عن تطلعات الشعوب.

إن الديمقراطية التي تختزل في صناديق الاقتراع، وتترك المال والنفوذ والمصالح تتحكم في القرار، تفقد معناها الحقيقي. ولا يمكن أن نقبل بأن تصبح الديمقراطية مجرد شعار لتبرير استمرار نفس النخب ونفس الاختلالات ونفس أشكال الاستبداد.

نحن لا نحتاج إلى تغيير الوجوه فقط، بل إلى تغيير فلسفة الحكم، ومفهوم السلطة، وعلاقة الإنسان بالثروة والمسؤولية والعدالة.

الخلاصة : نداء من أجل نظام عالمي جديد

من موقعي كمحلل وفاعل سياسي، أوجه نداءً إلى المفكرين والفلاسفة والعلماء والفقهاء والحقوقيين والمثقفين، وإلى كل إنسان ما زال يمتلك ذرة أمل وذرة مصداقية ونزاهة، من أجل فتح نقاش عالمي جاد ومسؤول حول بناء نظام عالمي جديد.

نظام لا تحكمه شريعة الأقوى، ولا تتحكم فيه مصالح الشركات الكبرى وتجار الحروب والسلاح، ولا تختزل فيه كرامة الإنسان في قدرته الشرائية أو موقعه داخل موازين القوة.

نظام يقوم على العدالة الحقيقية، والحرية المسؤولة، والكرامة الإنسانية، والتضامن، والتكافل، ومحاربة الفساد والاستبداد، والتوزيع العادل للثروات، واحترام الشعوب وحقها في تقرير مصيرها.

نظام تكون فيه السلطة أمانة وليست امتيازاً، والثروة مسؤولية وليست وسيلة للهيمنة، والمؤسسات في خدمة الإنسان وليس الإنسان في خدمة المؤسسات.

وأنا عزيز الدروش، أقول إن البشرية ليست محكومة بالبقاء رهينة لهذا النموذج الذي أثبت عجزه وإخفاقاته. لقد حان الوقت لكي يفكر أحرار العالم في بديل حضاري وأخلاقي يعيد الاعتبار للإنسان والقيم والمبادئ.

وأؤمن أن الإسلام، بما يحمله من مبادئ العدل والرحمة والتكافل والزكاة ومحاربة الظلم والفساد، يقدم مرجعية أخلاقية وحضارية قادرة على الإسهام في بناء هذا البديل.

الإسلام هو الحل، ليس كشعار سياسي أو وسيلة للوصول إلى السلطة، بل باعتباره منظومة قيم وعدالة ومسؤولية وكرامة إنسانية، تجعل الإنسان محور العمران، وتجعل العدل أساس الحكم، وتحفظ حقوق الضعفاء قبل امتيازات الأقوياء.

فهل يملك مفكرو العالم وشرفاؤه الشجاعة لفتح هذا النقاش قبل أن تدخل البشرية في أزمات أكثر خطورة؟

إن إنقاذ البشرية لا يبدأ بتغيير موازين القوة، بل بتغيير موازين العدل.

من المستحيل بناء دولة قوية و ديمقراطية و عادلة بمؤسسات و أحزاب ينخرها الفساد والإستبداد والظلم والحكرة وأشياء أخرى …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى