الفنان المغربي و الانتماء الحزبي

المصطفى طالب
“وبينما يفضل عدد من الفنانين، عند سؤالهم عن الانتخابات والبرامج الحزبية وأداء الحكومة، الاحتفاظ بمسافة عن إبداء مواقف سياسية صريحة، يرى الناقد الفني مصطفى الطالب أن المشكلة لا تكمن في ابتعاد الفنان عن الأحزاب بقدر ما تكمن في ابتعاده عن السياسة نفسها، إذ بالنسبة إليه، استقلال الفنان عن الاصطفاف الحزبي لا ينبغي أن يتحول إلى انسحاب من النقاش العمومي، ولا إلى تخلي عن مسؤوليته كمواطن وفاعل ثقافي قادر على التعبير عن قضايا مجتمعه.
ويرى الطالب في تصريح لاحدى الجرائد الالكترونية أن انخراط بعض الفنانين، وإن كان عددهم محدودا، في الأحزاب السياسية خلال السنوات الأخيرة، يظل أمرا مقبولا من زاوية حرية الفرد وحقه، كمواطن، في الولوج إلى المجال السياسي والانتماء إلى الحزب الذي يختاره، غير أن التجربة، وفق رأيه، أظهرت أن انتماء الفنان إلى حزب سياسي قد يحد من حريته ويؤثر في استقلاليته وإبداعه، خصوصا عندما يجد نفسه أمام حزب لم يفِ بوعوده الانتخابية، ما قد يضع الفنان في موقف حرج أمام جمهوره.
ويقول الناقد إن الفنان “عليه أن يظل مستقلا عن الشأن الحزبي، وليس عن الشأن السياسي”، موضحا أن الابتعاد عن الانتماء الحزبي لا يعني أن يتخلى الفنان عن امتلاك رؤية سياسية تجاه قضايا بلده، باعتباره مواطنا وفاعلا ثقافيا وفنانا.
ويعتبر الطالب أن الفنان مطالب بأن تكون له رؤية سياسية، منتقدا في المقابل الاعتقاد السائد في المجتمعات العربية بأن الفن منفصل عن السياسة، إذ يرى أن هذا التصور ترسخ، في السنوات الأخيرة، مع تنامي الاهتمام بما هو فردي واجتماعي وشخصي، بينما “الفن سياسي” من وجهة نظر فلسفية، لأن الفنان حين يلامس قضايا الإنسان فإنه يتعامل بالضرورة مع قضايا شاملة، سواء كانت اقتصادية أو اجتماعية أو ثقافية أو سياسية.
ويضيف أن المبدع، باعتباره إنسانا يمتلك رؤية خاصة، يمكنه أن يساهم في النقاش واقتراح الحلول لمجموعة من المشكلات التي يعيشها المجتمع، وإن كان دوره مختلفا عن دور السياسي أو المسؤول عن تدبير الشأن العام، إذ يضيف قائلا “يجب على الفنان أن يبدي رأيه مهما كلفه الأمر”، معتبرا أن الأمر يتعلق هنا بالفنان المسؤول والملتزم بقضايا وطنه، وليس بالفنان الذي يتعامل مع الأمر بمنطق المصلحة والربح المادي فقط….
وفي هذا الصدد، يشدد الطالب على أن الفنان “ابن بيئته” الاجتماعية والثقافية والسياسية والاقتصادية، إذ لا يمكن فصله عن القضايا التي يعيشها مجتمعه، معتبرا أن ابتعاد الفنان عن السياسة، أو في المقابل اقترابه من الأحزاب وتماهيه مع توجهات الحكومات، قد يكون خيارا غير صحي، لأن الحكومات، بحسب تعبيره، “قد تخطئ وقد لا تلتزم بوعودها”.
ويستحضر الناقد، في هذا السياق، ما يعتبره اختلالات مرتبطة بقطاع الثقافة، مشيرا إلى ما وصفه بمشكلات يعاني منها فنانون، من بينها صعوبة حصول بعضهم على بطاقة الفنان، التي يرى أنها لا تقدم لهم، في وضعها الحالي، ما يكفي من امتيازات أو حماية.
ويؤكد أن الفنان جزء من المجتمع، وأن مسؤوليته لا تقتصر على تقديم أعمال فنية للترفيه، بل تمتد إلى ملامسة قضايا الناس والتعبير عن مواقفهم وانشغالاتهم، إذ بحكم امتلاكه صوتا مسموعا وتأثيرا لدى شريحة واسعة من الجمهور، يرى أن الفنان قادر على المساهمة في تنبيه المسؤولين إلى مكامن الخلل وانتقاد السياسات العمومية عندما يرى أنها لا تخدم الصالح العام.
ويخلص الطالب إلى الدعوة إلى إعادة النظر في فكرة ابتعاد الفنان عن المجال السياسي، مؤكدا أن المطلوب ليس بالضرورة أن ينخرط الفنان في الأحزاب أو يتحول إلى فاعل سياسي، وإنما أن يحافظ على استقلاليته، وفي الوقت نفسه يمارس حقه في إبداء الرأي والانخراط في القضايا التي تهم المجتمع والوطن.





