مجرد رأي

مجرد كون البيان ناقداً للتسيير لا يعني تلقائياً أن من حق أي كان إسكات صاحبه.

 

بيان الحقيقة… حق في التوضيح أم وسيلة لإسكات الأصوات؟

حين يختار عضو من داخل التنظيم أن يخاطب الرأي العام

في العمل الجمعوي، النقد ليس جريمة، والرد على الانتقاد لا يكون بإسكات صاحبه

في بعض التنظيمات الجمعوية، يبدو أن المشكلة لا تبدأ عندما تقع الاختلالات، وإنما عندما يتجرأ أحد الأعضاء على الحديث عنها.

وهنا يطرح سؤال بسيط، لكنه عميق:

هل أصبح إصدار بيان للرأي العام حول طريقة التسيير جريمة تستوجب المنع؟ أم أن بعض الجهات تريد أن يكون لها الحق في الكلام وحدها، بينما يُطلب من الآخرين الصمت؟

إن بياناً ينتقد طريقة تدبير تنظيم جمعوي لا ينبغي أن يُواجه بمنطق “اسكت لأنك عضو”، ولا بمنطق «لا يحق لك الحديث باسم التنظيم» قبل التأكد أصلاً مما إذا كان صاحبه يتحدث باسم التنظيم أم يتحدث بصفته عضواً يعبّر عن موقفه الشخصي.

فالفرق واضح.

البيان ليس انقلاباً… والنقد ليس خيانة

حين يكتب عضو بياناً للرأي العام، ويقول إنه يعترض على بعض القرارات أو يطرح أسئلة حول التسيير أو يشير إلى وقائع يعتبرها اختلالات، فإن الرد الطبيعي والمؤسساتي هو:

التوضيح، تقديم الوثائق، تصحيح المعطيات، وفتح باب النقاش.

أما تحويل النقاش من مضمون البيان إلى شخصية صاحبه، أو محاولة إسكات صوته لمجرد أنه انتقد، فهو نقل للنقاش من الوقائع إلى الأشخاص.

والسؤال الذي ينبغي أن يُطرح هنا ليس:

«لماذا تكلم هذا العضو؟»

بل:

“هل ما قاله صحيح أم غير صحيح؟”

إذا كان البيان خاطئاً، فليكن الرد بالوثائق.

إذا كانت المعطيات غير دقيقة، فلتُصحح.

إذا كان صاحب البيان قد أخطأ في الاستنتاج، فليُناقش بالحجة.

أما أن يصبح مجرد طرح الأسئلة سبباً في محاولة إسكات صاحبها، فذلك لا يحل المشكلة، بل يجعل الأسئلة أكبر.

من يخاف من البيان؟

البيان في حد ذاته لا يملك قوة سحرية.

إن كان يتضمن معلومات غير صحيحة، فإن الرد عليها سهل.

وإن كان يتضمن اتهامات بلا دليل، يمكن تفنيدها.

وإن كان يتضمن وقائع صحيحة، فالمطلوب هو معالجتها.

لذلك فإن أخطر ما يمكن أن يحدث لأي تنظيم ليس أن يصدر أحد أعضائه بياناً، وإنما أن يتحول النقاش الداخلي إلى منطقة محرمة، وأن يصبح السؤال استفزازاً، والملاحظة تمرداً، والنقد إساءة، والاختلاف خروجاً عن الصف.

التنظيم القوي لا يخاف من السؤال.
والتسيير الواثق من نفسه لا يخشى الوثيقة.
والقرار السليم لا يحتاج إلى إسكات منتقديه.

العضوية لا تعني فقدان الصوت

من المفارقات أن يقال لعضو داخل تنظيم:

“أنت عضو، لذلك لا يحق لك انتقاد التسيير.“

والحال أن العضوية، في أصلها، تعني المشاركة وتحمل المسؤولية والاطلاع والمساهمة، وفقاً للقواعد التي تحكم التنظيم.

طبعاً، لا يعني ذلك أن العضو يستطيع نشر أي ادعاء دون دليل، أو المساس بسمعة الأشخاص، أو اختلاق الوقائع.

حرية التعبير تقابلها المسؤولية.

لكن المسؤولية لا تعني الصمت.

والانضباط التنظيمي لا يعني إلغاء التفكير.

والاحترام لا يعني منع النقد.

إذا كان البيان خاطئاً… فأين الرد؟

هنا السؤال الأكثر إحراجاً:

إذا كان البيان يتضمن خروقات غير صحيحة، فلماذا لا يتم تفنيدها بنداً بنداً؟

إذا كانت الأرقام خاطئة، فلتُنشر الأرقام الصحيحة.

إذا كانت القرارات قانونية، فلتُنشر محاضرها.

إذا كانت الإجراءات سليمة، فلتُعرض الوثائق التي تثبت ذلك.

إذا كان العضو قد أخطأ، فليُشرح له أين أخطأ.

أما الاكتفاء بالقول:

«لا يحق له إصدار بيان»

فهذا لا يجيب عن السؤال الأساسي:

هل ما ورد في البيان صحيح أم غير صحيح؟

الرأي العام ليس ملكاً لأحد

عندما يصل خلاف تنظيمي إلى الرأي العام، يصبح من حق الرأي العام أن يسمع الروايات المختلفة، دون أن يعني ذلك أنه مطالب بتصديق طرف دون آخر.

البيان الأول ليس حكماً نهائياً.

والبيان المضاد ليس حكماً نهائياً.

والحل ليس في كثرة البيانات، وإنما في الوثيقة والمحضر والقانون والوقائع.

ولهذا فإن أفضل رد على أي بيان هو:

«هذه هي الوقائع، وهذه هي الوثائق، وهذا هو موقفنا.»

أما الدخول في معركة شخصية مع صاحب البيان، فلن يؤدي إلا إلى توسيع دائرة الجدل.

وهل حضور عضو مستقل جريمة؟

ومن الأسئلة التي تستحق التوضيح أيضاً: هل مجرد حضور عضو لا يتحمل مسؤولية تنفيذية في التنظيم إلى نشاط أو لقاء يشكل مخالفة؟

الجواب لا يمكن أن يكون عاماً.

فإذا كان النشاط مفتوحاً، فطبيعة النشاط وشروط المشاركة هي التي تحدد الحضور.

أما إذا كان اجتماعاً تنظيمياً داخلياً، فلابد من الرجوع إلى النظام الأساسي والنظام الداخلي والجهة المخولة بتحديد من يحق له الحضور.

لكن في كل الحالات، ينبغي ألا يتحول الاختلاف في الرأي إلى ذريعة للإقصاء، ولا أن تتحول كلمة «مستقل» إلى تهمة.

المشكلة ليست في من كتب البيان… بل في مضمون البيان

هناك طريقة واحدة فقط لمعرفة قيمة أي بيان:

اقرأوه.

ثم اسألوا:

  • ما الوقائع التي يتحدث عنها؟
  • ما الوثائق التي يستند إليها؟
  • ما القرارات محل الاعتراض؟
  • هل احترمت المساطر الداخلية؟
  • هل هناك محاضر؟
  • هل توجد أجوبة؟
  • هل تم تمكين الأعضاء من المعلومات التي يحق لهم الاطلاع عليها؟
  • هل الوقائع قابلة للتحقق؟

بعد ذلك فقط يمكن أن يبدأ النقاش الحقيقي.

أما محاكمة صاحب البيان قبل مناقشة مضمونه، فهي قلب للمعادلة.

النقد ليس عداءً… والصمت ليس دائماً حكمة

العمل الجمعوي ليس صورة جماعية تلتقط أمام الكاميرا ثم ينتهي كل شيء.

إنه مسؤولية.

والمسؤولية تعني أن هناك من يسأل:

لماذا؟ كيف؟ متى؟ ومن قرر؟ وبأي سند؟

هذه الأسئلة قد تكون مزعجة، لكنها ضرورية.

فالجمعية التي لا تسمح بالأسئلة قد تبدو هادئة، لكن الهدوء ليس دائماً دليلاً على سلامة الوضع.

وفي المقابل، الجمعية التي تسمح بالنقاش وترد على النقد وتفتح وثائقها وتحتكم إلى قوانينها الداخلية، تمنح أعضاءها والرأي العام فرصة لفهم الحقيقة بعيداً عن الإشاعات والتأويلات.

كلمة أخيرة: لا تحاربوا البيان… حاربوا الخطأ بالوثيقة

إذا كان هناك عضو أخطأ، فصححوا له.

إذا كان قدّم معلومة غير دقيقة، فقدموا المعلومة الصحيحة.

إذا كانت لديه وثائق، ناقشوها.

إذا كانت لديه تساؤلات، أجيبوا عنها.

وإذا ثبت وجود اختلال، فالأشجع هو الاعتراف به وتصحيحه، لا البحث عن طريقة لإسكات من أثاره.

فالبيان لا يهدم تنظيماً سليماً.
والسؤال لا يخيف تسييراً شفافاً.
والوثيقة لا تهدد من لا يخشى الحقيقة.

أما محاولة إسكات كل صوت مختلف، فإنها لا تمحو الأسئلة؛ بل تجعلها أكثر حضوراً.

وفي العمل الجمعوي، ليس المطلوب أن يتفق الجميع… بل أن يظل الاختلاف ممكناً، والكلام مسؤولاً، والوثيقة حاضرة، والقانون فوق الجميع.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى