في الصميم : من مذكرة 1970 إلى مدرسة 2026: حين كانت كلفة التمدرس مسؤولية اجتماعية ماذا لو عدنا اليوم إلى مبدأ الأمس: «لا نطلب من التلميذ إلا ما يحتاج إليه»؟

في زمن أصبحت فيه العودة المدرسية بالنسبة إلى كثير من الأسر موعداً سنوياً لإعادة ترتيب ميزانية البيت، تستوقفنا مذكرة إدارية مغربية تعود إلى 19 شتنبر 1970، لأنها تكشف أن سؤال كلفة التمدرس وترشيد اللوازم المدرسية ليس وليد اليوم، بل كان حاضراً في قلب التفكير التربوي والإداري منذ أكثر من نصف قرن.
المذكرة، الصادرة عن وزارة التعليم الابتدائي بالرباط تحت رقم 37، تحت عنوان «تحديد الأدوات والكتب المدرسية»، قد تبدو للوهلة الأولى مجرد وثيقة إدارية عادية، لكنها تحمل في مضمونها روحاً اجتماعية وتربوية لافتة، إذ تنبه إلى أن التلاميذ كانوا يلتحقون بالمدرسة محملين بعدد كبير من الأدوات والكتب، الأمر الذي كان يثقل كاهل الآباء والأولياء، ولذلك دعت إلى الاقتصاد في اللوازم وعدم مطالبة الأسر بما ليس ضرورياً.
قبل أكثر من 56 سنة، كان هناك وعي واضح بأن المدرسة لا تعيش منفصلة عن الواقع الاقتصادي والاجتماعي للأسرة، وأن التلميذ لا ينبغي أن يتحول إلى قناة لمصاريف مدرسية غير ضرورية. ولذلك جرى تحديد بعض الدفاتر الأساسية التي يحتاج إليها التلميذ، مع الدعوة إلى الحد من كثرة اللوازم، بل وحتى تنظيم بعض التفاصيل المرتبطة بالأغلفة والمظهر المدرسي، بما يساهم في ترشيد الإنفاق والحد من الفوارق بين التلاميذ.
إن أهمية هذه الوثيقة اليوم لا تكمن فقط في قدمها، وإنما في السؤال الذي تطرحه علينا: ماذا تغير في علاقتنا بكلفة التمدرس منذ 1970 إلى اليوم؟
لا شك أن المدرسة المغربية تغيرت بشكل كبير. تغيرت المناهج والبرامج، وتطورت الوسائل التعليمية، ودخلت التكنولوجيا إلى الحياة المدرسية، وتعددت الأنشطة والمقاربات التربوية، وأصبحت حاجيات المتعلم أكثر تنوعاً. لكن شيئاً واحداً ينبغي ألا يتغير: أن تظل مصلحة الطفل وقدرة الأسرة الاقتصادية حاضرتين عند التفكير في متطلبات التمدرس.
فالوسيلة التعليمية ليست غاية في حد ذاتها، وإنما هي أداة لخدمة التعلم. والدفتر والقلم والكتاب والحقيبة وغيرها من المستلزمات لا تكتسب قيمتها من ثمنها أو شكلها، وإنما من وظيفتها التربوية. وكلما تحولت اللوازم المدرسية إلى مجال للتفاخر والمنافسة بين الأسر، فقدنا شيئاً من المعنى الحقيقي للمدرسة.
المشكلة ليست في أن يمتلك التلميذ أدوات جيدة أو حديثة، بل في أن يشعر طفل بأن زميله أفضل منه لأنه يملك حقيبة أغلى، أو أدوات أكثر، أو ملابس أكثر تكلفة. فالمدرسة يفترض أن تكون فضاءً لتكافؤ الفرص، لا مكاناً تتجدد فيه الفوارق الاجتماعية أمام أعين الأطفال.
وهنا تبدو مذكرة سنة 1970 أكثر راهنية مما قد نتصور. فقد كانت تقول، بشكل مباشر أو غير مباشر، إن الأسرة يجب أن تُراعى، وإن التلميذ لا ينبغي أن يُطلب منه إلا ما يحتاج إليه فعلاً.
لكن هل ما زال هذا المبدأ حاضراً بالقوة نفسها اليوم؟
إن الأسر المغربية، وخاصة ذات الدخل المحدود، تعرف جيداً حجم المصاريف المرتبطة بالدخول المدرسي. فالأمر لا يتعلق بالكتب والدفاتر وحدها، بل بالنقل والملابس والأدوات والأنشطة وغيرها من المصاريف التي قد تتراكم لتصبح عبئاً حقيقياً على ميزانية الأسرة.
وهنا يجب أن نكون واضحين: ليس المطلوب العودة إلى مدرسة سنة 1970، وإنما استعادة الروح الاجتماعية التي كانت حاضرة في بعض قراراتها.
فالمدرسة الحديثة تحتاج إلى وسائل حديثة، لكنها تحتاج أيضاً إلى عقلية حديثة في تدبير هذه الوسائل. وعندما نطالب الأسرة باقتناء أداة أو كتاب أو مستلزم، ينبغي أن يكون السؤال الأول: ما قيمته التربوية؟ وهل هو ضروري فعلاً؟ وهل توجد بدائل أقل كلفة؟ وهل جميع الأسر قادرة على توفيره؟
إن هذه الأسئلة ليست ترفاً، بل هي جزء من العدالة التربوية.
ومن هنا تبرز الحاجة إلى ترشيد اللوائح المدرسية، وأن تكون واضحة وواقعية ومبررة تربوياً، حتى تعرف الأسرة منذ البداية ما هو ضروري وما هو اختياري، وألا تتحول العودة المدرسية إلى سباق استهلاكي بين الأطفال والأسر.
كما أن مسؤولية المدرسة لا تتوقف عند تقديم المعرفة، وإنما تشمل أيضاً حماية كرامة المتعلم وعدم جعله يشعر بالنقص بسبب الوضع الاقتصادي لأسرته. فالطفل الذي لا يستطيع شراء أغلى الأدوات يجب ألا يشعر بأنه أقل قيمة من غيره، لأن قيمة الإنسان لا تقاس بما يوجد داخل حقيبته.
لقد كانت مذكرة تعود إلى سنة 1970 تستحضر القدرة الاقتصادية للآباء والأولياء عند الحديث عن الأدوات والكتب المدرسية. وبعد مرور أكثر من نصف قرن، يبدو أن السؤال لا يزال قائماً، وربما أصبح أكثر إلحاحاً.
هل نطلب من التلميذ ما يحتاجه فعلاً للتعلم، أم نطلب منه أحياناً ما اعتدنا على طلبه؟
وهل نستطيع أن نعيد للمدرسة وظيفتها الأساسية باعتبارها فضاءً للعلم والتربية وتكافؤ الفرص، بعيداً عن منطق الاستهلاك والمظاهر؟
إن العودة إلى هذه الوثيقة القديمة ليست مجرد حنين إلى الماضي، وإنما هي دعوة إلى مراجعة بعض ممارسات الحاضر. فالتطور الحقيقي لا يقاس بعدد الأدوات التي يحملها التلميذ في حقيبته، ولا بثمنها، وإنما بما تضيفه إلى تعلمه وشخصيته وقدراته.
وربما آن الأوان لكي تستعيد المدرسة المغربية قاعدة بسيطة كانت حاضرة منذ عقود: لا نطلب من التلميذ إلا ما يحتاج إليه فعلاً.
فالمدرسة التي تراعي الأسرة لا تتنازل عن الجودة، والمدرسة التي ترشد النفقات لا تعادي التطور، والمدرسة التي تحمي الطفل من الفوارق المادية لا تمنع التميز، بل تضع التعليم في مكانه الصحيح.
وبين مذكرة 19 شتنبر 1970 ومدرسة سنة 2026، يبقى السؤال مفتوحاً أمام المسؤولين التربويين والأسر والأطر التعليمية والمجتمع:
إذا كانت المدرسة المغربية قبل 56 سنة قد انتبهت إلى ضرورة عدم إثقال كاهل الآباء، فلماذا لا نجعل من هذا المبدأ اليوم جزءاً من ثقافة التمدرس الحديثة؟
لأن المدرسة الناجحة ليست التي تجعل حقيبة التلميذ أثقل، وإنما التي تجعل معرفته أعمق، ومهاراته أقوى، وفرصه أكثر عدلاً، ومستقبله أكثر أملاً.




