24 ساعةأحزابأخبار إقليم الجديدةالواجهةحقوق الإنسانعالم السياسة

أزمور… أول مدينة في العالم تسير بـ”البطارية المشحونة” وتدار عن بعد

يبدو أن مدينة أزمور قررت أخيرا أن تقتحم عالم التكنولوجيا من بابه الواسع، وأن تتجاوز كل النظريات الكلاسيكية في التدبير المحلي، لتؤسس نموذجا فريدا قد يثير إعجاب كبريات الشركات العالمية المتخصصة في الذكاء الإصطناعي. فهنا، لم تعد الحاجة إلى حضور الرئيس أو متابعة الأشغال أو الإنصات إلى مشاكل المواطنين ، أمورا ضرورية، مادام الهاتف النقال قادرا – وفق آخر الإبتكارات الأزمورية – على تسيير مدينة بأكملها بضغطة زر أو مكالمة .

وفي الوقت الذي تتنافس فيه المدن على مشاريع التنمية والرقمنة، أختارت أزمور أن تتخصص في مشروع أكثر طموحا : “الحكامة عبر الهاتف “. فلا داعي للإجتماعات ولا للجولات الميدانية، المهم أن يكون الهاتف مشحونا، أما الأزقة والشوارع والحفر والإنارة فهذه تفاصيل ثانوية يمكنها الإنتظار إلى حين توفر التغطية الكافية.

داخل الجماعة، لا تقل المشاهد إثارة عما يجري خارجها. فهناك ظهرت شخصيات خارقة للطبيعة من المطبلين لهده التجربة الملعونة لا أحد يعرف كيف وصلوا وأحتلوا بلدية أزمور ، لكنهم يتصرفون بثقة أباطرة .

موظفون يتحدثون همسا، وآخرون يمارسون رياضة الإختفاء الإداري خوفا من الإصطدام بما بات يعرف محليا بـ”الديناصورات ” التي وجدت في الغياب الطويل فرصة تاريخية لفرض سلطتها على الحجر والشجر والبشر.

أما نواب الرئيس، فيبدو أنهم يعيشون تجربة فلسفية عميقة عنوانها: “أنا نائب إذن أنا موجود… ولكن دون صلاحيات”. يجلسون على كراسي المقاهي ، يراقبون المشهد، ويتأملون المعنى الوجودي للمناصب التي تحولت إلى مجرد ديكور إداري فاخر.

وفي الخارج، تبدو المدينة وكأنها دخلت مرحلة جديدة من التنمية العشوائية. الإنارة العمومية أختارت هي الأخرى الهجرة الجماعية، والبناء العشوائي ينمو بسرعة تفوق نمو بعض الإقتصادات الصاعدة، فيما تحولت الحفر المنتشرة في الطرقات إلى فضاءات رياضية مفتوحة لتدريب المواطنين على القفز الطويل والحواجز دون الحاجة إلى تجهيزات أولمبية.

لكن أجمل ما في هذه الملحمة الأزمورية هو ظهور فرقة إلكترونية خاصة، يمكن تسميتها بـ”كتيبة الدفاع عن العبث “. جنود مجهولون بأسماء مستعارة، يتصدون بشراسة لكل من يجرؤ على طرح سؤال بسيط : أين هي التنمية ؟. وكيف تدار المدينة ؟ .

هؤلاء لا يرون الحفر ولا الظلام ولا الفوضى، بل يرون مدينة فاضلة ربما لا تظهر إلا عبر شاشات الهواتف التي تدار منها الأمور.

والغريب أن هؤلاء المدافعين يمتلكون قدرة خارقة على تحويل كل إنتقاد إلى مؤامرة، وكل ملاحظة إلى جريمة، وكل سؤال إلى تهديد ، وكأن أزمور أصبحت آخر قلاع الحضارة البشرية التي يجب الدفاع عنها مهما كانت الظروف.

وبإختصار شديد، تقدم أزمور اليوم درسا مجانيا في التدبير العصري:

رئيس غائب… هاتف حاضر…

شوارع تتكفل بنفسها…

حفر تتكاثر ذاتيا…

إنارة تمارس الإختفاء الطوعي…

وجيش إلكتروني يصفق لكل شيء…

أما المواطن، فقد تحول إلى متفرج دائم في مسرحية طويلة لا يعرف متى بدأت ولا متى ستنتهي، لكنه مجبر على متابعة جميع فصولها دون أن يحصل حتى على تذكرة مجانية.

ويبقى للساكنة أن تتساءل أكثر من رنين الهواتف نفسها :

هل تحتاج أزمور إلى شبكة إتصال أقوى ؟.

أم إلى أعضاء مجلس جماعي يفضلون الحضور على “الوضع الصامت” ؟.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى