إلى الذي ..الجديدة.. كاميرات تتزاحم، أقلام تتوارى، وصحافة تبحث عن هويتها!

الصحافة ليست كاميرا ولا كرسيًّا في الصف الأول.. إنها قلم لا يرتدي الأقنعة!
في زمنٍ أصبحت فيه الصورة تسبق الحقيقة، والكاميرا تسبق القلم، والظهور الإعلامي يُسوَّق أحيانًا باعتباره إنجازًا صحفيًا، بات من المشروع أن نطرح سؤالًا مزعجًا، لكنه ضروري: هل كل من حمل كاميرا أصبح صحفيًا؟ وهل كل من التقط صورة في محفل رسمي أو أمام مؤسسة عمومية صار مؤهلًا للحديث باسم الإعلام؟ أم أننا أمام مشهد تختلط فيه المهن، وتتداخل فيه الأدوار، حتى أصبح المتلقي عاجزًا عن التمييز بين الصحفي المهني، ومصور المناسبات، وهاوي الصور، وصانع المحتوى، وبين من لا يملك من الصحافة سوى بطاقة أو كاميرا أو حساب على مواقع التواصل الاجتماعي؟
ما يحدث في المشهد الإعلامي بمدينة الجديدة يستحق وقفة تأمل جادة، لا لأننا نرفض تعدد التجارب أو نحتكر حق ممارسة الصحافة، بل لأننا نرفض أن تتحول مهنة المتاعب إلى فضاء مفتوح لكل من أراد الظهور، دون أن يتحمل مسؤولية الكلمة، أو يحترم أخلاقيات المهنة، أو يدرك أن الصحافة ليست مجرد حضور في الصفوف الأمامية، ولا سباقًا محمومًا نحو التقاط الصور وتسجيل لحظات الاستقبال والوداع.
لقد أصبحنا نشاهد وجوهًا تتقافز من مناسبة إلى أخرى، ومن حفل إلى حفل، ومن اجتماع إلى اجتماع، وكأن معيار الصحافة هو عدد الصور المنشورة، وعدد المصافحات الموثقة، وعدد فناجين الشاي التي احتُسيت في المجالس الرسمية! وجوه تتكرر في كل مكان، تتصدر المشهد أحيانًا دون أن نعرف طبيعة المنابر التي تمثلها، أو حدود مسؤولياتها، أو ما إذا كان حضورها مرتبطًا بعمل صحفي حقيقي أم بمجرد الرغبة في البقاء تحت الأضواء.
المشكلة ليست في الكاميرا، بل في العقل الذي يوجهها، وليست في الصورة، بل في الفراغ الذي تحاول أحيانًا أن تخفيه.
فالصورة الصحفية ليست مجرد لقطة جميلة، بل وثيقة تحمل مسؤولية، وتختزل لحظة من الواقع، وقد تفتح بابًا لفهم قضية أو مساءلة مسؤول أو إنصاف مظلوم. أما حين تتحول إلى غاية في حد ذاتها، وتصبح وسيلة للاستعراض والتقرب وصناعة الحضور، فإنها تفقد الكثير من قيمتها الإعلامية، مهما بلغت جودتها التقنية.
وهنا يبرز السؤال الذي لا يريد البعض سماعه: أين هو المقال؟ أين التحقيق؟ أين السؤال الذي يربك المسؤول حين يتطلب الأمر ذلك؟ أين المتابعة التي تكشف الخلل، وتضع الإصبع على الجرح، وتمنح المواطن حقه في معرفة ما يجري حوله؟
هل أصبحت الصحافة مجرد صور جماعية، وابتسامات أمام العدسات، وعبارات مجاملة تتكرر في كل مناسبة؟ وهل صار النجاح الإعلامي يقاس بعدد الصور التي يظهر فيها صاحب المنبر إلى جانب هذا المسؤول أو ذاك، بدل أن يقاس بمدى تأثير الكلمة في الرأي العام، وقدرتها على كشف الحقيقة وخدمة الصالح العام؟
إن الصحافة ليست بطاقة عبور إلى حفلات الشاي، ولا امتيازًا اجتماعيًا يمنح صاحبه حق التواجد في كل مكان، ولا وسيلة للتباهي بمعرفة المسؤولين والتقاط الصور معهم. الصحافة موقف مهني، ومسؤولية أخلاقية، واستقلالية في التفكير، وقدرة على التمييز بين الخبر والدعاية، وبين المعلومة والمجاملة، وبين العمل الصحفي الحقيقي والظهور العابر.
ولست هنا بصدد توزيع صكوك الاعتراف أو نزعها من أحد، ولا أدعي امتلاك الحقيقة المطلقة، لكنني أؤمن أن احترام المهنة يبدأ من احترام معاييرها، وأن تعدد المنابر لا ينبغي أن يعني إلغاء الحدود الفاصلة بين الصحافة وغيرها من أشكال التواصل والتصوير وصناعة المحتوى.
إن أخطر ما يمكن أن يصيب الصحافة ليس كثرة الوجوه، بل غياب المعايير التي تجعل من الصحفي صاحب رسالة، لا مجرد صاحب كاميرا.
فالصحفي الحقيقي لا يخشى السؤال، ولا يختبئ خلف الصور، ولا يخلط بين علاقاته الشخصية وواجباته المهنية. يعرف أن مهمته ليست إرضاء الجميع، ولا البحث عن موطئ قدم في كل محفل، بل نقل الوقائع بمهنية، ومساءلة أصحاب القرار، والدفاع عن حق المجتمع في المعلومة.
وللقلم، رغم كل ما أحدثته التكنولوجيا من تحولات، رهبة لا تعوضها أحدث الكاميرات. فالقلم ليس مجرد أداة للكتابة، بل مساحة للتفكير، ومختبر لصياغة الأسئلة، ووسيلة لترتيب الأفكار وتحويل الملاحظات إلى موقف واضح ومسؤول. قد تلتقط الكاميرا مشهدًا في ثانية، لكن المقال الجاد يحتاج إلى فهم وسياق وتحليل، وإلى ضمير مهني يدرك أن وراء كل صورة حكاية، ووراء كل خبر إنسانًا، ووراء كل كلمة أثرًا قد يمتد إلى أبعد مما نتصور.
ولا يعني هذا التقليل من قيمة الصورة أو من دور المصور الصحفي، فالصورة المهنية قد تكون أبلغ من ألف كلمة، وقد توثق ما تعجز عنه التقارير المطولة. لكن الفرق كبير بين مصور يوظف عدسته لخدمة الحقيقة، وبين من يجعل من الكاميرا وسيلة لصناعة حضور شخصي، وبين صحفي يشتغل على الحدث، وآخر يكتفي بأن يكون حاضرًا في خلفيته.
أما الأقنعة، فتلك حكاية أخرى!
ففي المشهد الإعلامي، كما في غيره من المجالات، قد نجد من يتحدث بوجه، ويتصرف بوجه آخر، ومن يرفع شعارات المهنية والاستقلالية، بينما تفضح ممارساته تناقضًا بين القول والفعل. غير أن الزمن كفيل بكشف كثير من هذه التناقضات، لأن الصورة قد تخدع للحظة، أما الممارسة فتترك أثرها، والكلمة قد تُزيَّن بالمجاملات، لكن الحقيقة لا تحتاج إلى مكياج دائم.
إن مدينة الجديدة، بما تزخر به من كفاءات وتجارب إعلامية، تستحق مشهدًا صحفيًا أكثر وضوحًا ومهنية، مشهدًا يحتضن الطاقات الشابة، ويحترم أصحاب التجربة، ويفتح المجال أمام الجميع وفق قواعد واضحة، بعيدًا عن منطق الإقصاء أو الاحتكار أو التزاحم على الظهور.
نحتاج إلى صحافة تسأل بدل أن تصفق، وتتابع بدل أن تكتفي بالتقاط الصور، وتبحث عن الحقيقة بدل أن تنشغل بتلميع الوجوه. نحتاج إلى إعلام يجعل المواطن في قلب اهتمامه، لا المسؤول في مركز عدسته، ويمنح القضايا العامة المساحة التي تستحقها، بدل أن يحول المناسبات إلى مسرح دائم للاستعراض.
وفي النهاية، لا أملك إلا أن أقول لأولئك الذين يعتقدون أن الصحافة تُختصر في كاميرا أو صورة أو حضور عابر: ليس كل من ظهر في الصورة صنع الحدث، وليس كل من امتلك الكاميرا امتلك الحقيقة، وليس كل من حمل صفة الصحفي حمل مسؤوليتها.
ومع ذلك، أصدقائي، لسنا في حرب مع الألوان، ولا نريد لوحة بلون واحد، فالتنوع ضرورة، والاختلاف مصدر غنى، ولكل تجربة مكانها حين تحترم حدودها وتؤدي دورها.
نحن كأقلام التلوين؛ قد لا أكون لونك المفضل، وقد لا تروق لك ألوان الآخرين، لكننا سنحتاج بعضنا يومًا لتكتمل اللوحة.
أما الصحافة، فلا تكتمل بكثرة الوجوه أمام الكاميرات، بل بصدق الأقلام التي تجرؤ على كتابة ما ينبغي أن يُكتب.





