
بقلم:توفيق بوعشرين
إسرائيل تضرب، ولأول مرة، في قلب العاصمة القطرية الدوحة، مستهدفة ليس فقط القيادات السياسية لحماس في بيوتهم، بل وكذلك سيادة دولة عضو في الأمم المتحدة، ومهدِّدة حياة مواطنيها وسلامتهم…
صارت إسرائيل تضرب أينما تشاء، في عالم عربي مستباح بالكامل، كل عواصمه.
إسرائيل تضرب في لبنان واليمن وسوريا وإيران، والآن جاء الدور على قطر؛ الدولة التي تقود مفاوضات بين تل أبيب وقيادات حماس بموافقة أمريكية!
ضرب دولة خليجية مثل قطر من قبل نتنياهو لا يمكن أن يكون بدون ضوء أخضر من أمريكا، التي تتوفر على أكبر قاعدة عسكرية أمريكية في الخليج: قاعدة العديد في قطر. وهذا معناه أن أمريكا لم تعد تضمن أمن حلفائها الخليجيين، رغم أنهم دفعوا لـ”أبو إيفانكا” المليارات نقدًا وعدًا، وهدايا واستثمارات وصفقات أسلحة…
إن ترامب جعل من نتنياهو وحماقاته ومغامراته ومشروعه أولوية أولوياته، حتى وإن كان ذلك على حساب مصالح أمريكا ومعاهداتها وسمعتها والتزاماتها مع حلفائها. وهذا تطور غير مسبوق في تاريخ علاقة أمريكا بإسرائيل.
نتنياهو وجّه صواريخه قبل قليل إلى مقر اجتماع قيادة حماس في الدوحة؛ اجتماع كان مخصصًا لدراسة خطة ترامب لوقف إطلاق النار والإفراج عن الرهائن وإيجاد تسوية للحرب المستعرة منذ قرابة سنتين في غزة.
ماذا يعني هذا؟
هذا يعني:
أولًا: نتنياهو لا يريد وقف الحرب ولا إيجاد تسوية ولا عودة رهائن. إنه مصمم العزم على الاستمرارية في إبادة الفلسطينيين، ودفعهم للتهجير، والضغط على العالم العربي لقبول استقبالهم على أراضيه.
ثانيًا: نتنياهو وحكومة اليمين المتطرف لهم شيك على بياض من أمريكا ومن إدارة ترامب، وهم يستغلون هذا الشيك إلى أبعد الحدود. فهم يعرفون أن هذه من المرات النادرة التي ستتاح لهم الفرصة لبسط نفوذهم وقوتهم وإرهابهم على العالم العربي كله…
ثالثًا: أمريكا، بسماحها للطائرات العسكرية الإسرائيلية بانتهاك سيادة بلد صغير تعهّدت بحمايته، وتتقاضى المليارات من الدولارات مقابل هذه الحماية، ولها فيه أكبر قاعدة عسكرية وتكنولوجيا متطورة، ومع ذلك تركت الطيران الإسرائيلي يضرب أحياءً مدنية وسط الدوحة… هذا معناه أن “المتغطي بغطاء أمريكا عريان”، كما قال حسني مبارك.
قطر، ورغم كل الخدمات التي قدّمت وتقدّم لأمريكا وللغرب في تخفيض حدة التوتر بين حماس وإسرائيل، ولعب دور الوساطة في أكثر من ملف، وتسهيل انسحاب أمريكا من أفغانستان، ولإعطاء أمريكا قاعدة عسكرية واستخباراتية متقدمة في الخليج، وتخصيص ميزانيات ضخمة لشراء السلاح من أمريكا واستثمار المليارات في اقتصادها…
ورغم أن نظام قطر السياسي مصنَّف كنظام حليف للغرب، وسبق لأكثر من إدارة أمريكية أن اعترفت لقطر بأدوار كبيرة، ومنها استضافة قيادة حماس في الدوحة عوض لجوء الأخيرة إلى إيران حيث سيصعب التحكم في رموز حماس والضغط عليهم… فإن الدوحة لم تسلم من اعتداء على أراضيها وخَرقٍ لسيادتها.
إسرائيل، رغم أنها تتعامل مع الدوحة وتستفيد من خدماتها، فإنها لا تغفر لها الدور الذي تقوم به قنوات الجزيرة في تغطية أعمال العدوان والإبادة الجماعية في غزة. تل أبيب تعرف خطورة نقل أخبار وصور وتحليلات وخطابات المقاومة الفلسطينية وتأثيرها في الشارع العربي…
رابعًا: نتنياهو ماضٍ في مخطط إعادة هيكلة العالم العربي بالسياسة والتطبيع تارة، وبالسلاح والإرهاب تارة أخرى. ها هو يضرب في أكثر من عاصمة عربية دون أن يخشى ردًّا أو عقابًا أو حتى استنكارًا. يضرب اليوم في لبنان وسوريا واليمن وإيران وقطر، وغدًا ربما في الرياض والجزائر وعمان…
للذي لم يفهم بعد مرامي نتنياهو وحكومته المتطرفة، فهي تسعى للهيمنة على المنطقة، وتصفية القضية الفلسطينية نهائيًا، وفرض نظام إقليمي يخدم الدولة العبرية، ويُصفّي ثقافة المقاومة لدى شعوبها، ويفرض الأمر الإسرائيلي الواقع بقوة الحديد والنار والتكنولوجيا العسكرية الأمريكية…
كلما زاد إرهاب إسرائيل للعالم العربي، وكلما زاد توحش نتنياهو في المنطقة، ازداد كره المجتمعات العربية لإسرائيل، وازداد توتر الشارع العربي في علاقته بأنظمته التي يراها المواطن البسيط غير قادرة على حمايته، ولا على حماية قضاياه ولا الوقوف في وجه اهانة نتنياهو لامة بكاملها …ابتعدوا عن اسرائيل قبل فوات الأوان لا خير يرجى منها …





