لحظة من فضلك : الجديدة بين صحافة الميكروفون وصحافة القلم: من يكتب الخبر ومن يكتفي بالبونجة؟

في مدينة الجديدة، كما في مدن أخرى، لم يعد المشهد الإعلامي المحلي يقتصر على الصحافة بمفهومها التقليدي؛ فقد ظهرت مواقع إلكترونية وصفحات إخبارية ومراسلون يحملون الميكروفونات ويتنقلون بين الأنشطة والندوات واللقاءات. وهذا في حد ذاته تطور طبيعي فرضته الثورة الرقمية وسهولة الوصول إلى المعلومة. لكن السؤال الذي أصبح يفرض نفسه بإلحاح هو: هل كل من حمل ميكروفونًا وأمام اسمه كلمة «مراسل» أصبح بالضرورة صحفيًا؟
السؤال ليس موجهًا إلى شخص بعينه، ولا يستهدف كل المراسلين، وإنما يتعلق بمستوى الممارسة الإعلامية المحلية ومدى احترامها لشروط المهنة وأخلاقياتها.
فالصحافة ليست «بونجة» تُرفع أمام المسؤول أو الفنان أو الفاعل الجمعوي، وليست صورة تُلتقط في مناسبة ثم تُنشر مرفقة بجملتين من المجاملة. الصحافة مهنة تقوم على البحث والتحقق وطرح الأسئلة وصناعة الخبر وربط الأحداث بسياقها، ثم تقديمها للقارئ بلغة سليمة ومسؤولة.
والمشكلة تبدأ عندما يتحول الميكروفون إلى شهادة كفاءة، ويصبح الحضور في المناسبات دليلًا على المهنية، بينما يغيب السؤال الأهم: أين هو التحقيق؟ أين هي القراءة النقدية؟ أين هي الكتابة الصحفية؟ وأين هي القدرة على التمييز بين الخبر والرأي والدعاية؟
قد نجد شخصًا لا يحمل تكوينًا أكاديميًا في الصحافة لكنه يمتلك موهبة كبيرة وتجربة ميدانية محترمة ويكتب مواد جيدة ويحترم أخلاقيات المهنة. وفي المقابل، قد نجد شخصًا يحمل أدوات العمل الإعلامي لكنه يفتقد الحد الأدنى من تقنيات الكتابة والتحقق والتحرير. ولذلك فإن المشكلة ليست في الشهادة وحدها، كما أنها ليست في الميكروفون وحده، وإنما في الكفاءة والممارسة والمسؤولية المهنية.
والأكثر إثارة للانتباه هو أن بعض الممارسات الإعلامية المحلية تكاد تختزل الصحافة في تغطية الأنشطة الرسمية والمناسبات، وتجنب طرح الأسئلة المزعجة، والاكتفاء بنقل تصريحات المسؤول أو المنظم كما هي. هنا يتحول الإعلام من سلطة رقابية إلى مجرد واجهة للتواصل والإشهار.
فهل وظيفة المراسل أن يصفق؟
هل وظيفته أن يبحث دائمًا عن صورة مع المسؤول؟
هل مهمته أن ينقل البلاغات كما وصلته دون تحقق أو مساءلة؟
أم أن من حق المواطن أن يجد في الإعلام من يسأله ويسأل باسمه؟
إن الصحفي الحقيقي لا يبحث فقط عن الخبر الذي يرضي المسؤول أو المنظم، وإنما يبحث أيضًا عن الجانب الذي لم يُروَ. يسأل عن المستفيد والمتضرر، عن الأرقام والوثائق، عن الوعود والنتائج، وعن المسافة بين الخطاب والواقع.
وفي المقابل، لا يجوز أن تتحول هذه الدعوة إلى مبرر لمهاجمة كل من يحمل ميكروفونًا. فهناك مراسلون يشتغلون بجدية، ويطورون أنفسهم، ويقدمون خدمات إعلامية حقيقية، رغم محدودية الإمكانيات. هؤلاء يستحقون التشجيع والاحترام، لأن الصحافة المحلية تحتاج إلى الطاقات الجادة، لا إلى إقصائها.
لكن من حق المجتمع أيضًا أن يطرح سؤال المهنية.
من يكتب؟
من يتحقق؟
من يصحح؟
من يتحمل مسؤولية ما ينشر؟
ومن يملك فعلًا المؤهلات التي تسمح له بتقديم نفسه أمام الرأي العام باعتباره صحفيًا أو مراسلًا؟
إن أخطر ما يمكن أن يصيب الإعلام المحلي ليس ضعف الإمكانيات، وإنما ضعف المعايير. فعندما يصبح كل من يملك هاتفًا وميكروفونًا صحفيًا، يصبح من الصعب على المواطن أن يميز بين الصحافة والإشهار، وبين الخبر والدعاية، وبين المعلومة والمجاملة.
والجديدة، بما لها من تاريخ ثقافي وإعلامي ورياضي وجمعوي، تستحق إعلامًا محليًا أكثر مهنية واستقلالية. تستحق صحفيين يكتبون، ويبحثون، ويحققون، ويناقشون، وينتقدون بأدب ومسؤولية، كما تستحق مراسلين يطورون أدواتهم بدل الاكتفاء بالحضور في الصفوف الأولى والتقاط الصور.
فالصحافة ليست في طول «البونجة»، ولا في عدد الصور المنشورة، ولا في كثرة الظهور أمام الكاميرا. الصحافة في سؤال ذكي، ومعلومة دقيقة، ونص متماسك، ومصدر موثوق، وشجاعة مهنية تعرف متى تنتقد ومتى تنصف.
وفي النهاية، ربما آن الأوان في الجديدة لفتح نقاش جاد وهادئ حول الإعلام المحلي: ليس لإدانة أحد، وإنما لرفع سقف المهنة. لأن الصحافة التي لا تطور نفسها تفقد تأثيرها، والإعلام الذي يخاف من السؤال يفقد معناه، والمراسل الذي لا يكتب لا يمكن أن يجعل من الميكروفون وحده صحافة.
الجديدة لا تحتاج إلى مزيد من الميكروفونات فقط… بل تحتاج إلى مزيد من الأقلام.





