فلاش : المثقف الجديدي بين ركود المشهد الثقافي ورهان استعادة الدور من استهلاك الثقافة إلى صناعة الفعل الثقافي… من السكون إلى الحركة

إن الحديث عن الثقافة يتجاوز بكثير مجرد تنظيم الأنشطة الموسمية، والأمسيات العابرة، وحفلات توزيع الشهادات والصور التذكارية، أو إصدار الكتب وتنظيم الندوات، فهي في جوهرها فعل متواصل لبناء الإنسان، وتحرير الفكر، وتوسيع آفاق المعرفة، وترسيخ قيم الحوار والاختلاف والإبداع، بينما يبرز المثقف كأحد أهم الفاعلين في هذا البناء بما يملكه من وعي نقدي وقدرة على قراءة الواقع ومساءلة السائد، وهو ما يفرض تساؤلاً جوهرياً حول واقع الساحة الثقافية بمدينة الجديدة وموقع المثقف المحلي فيها، ومدى قدرته على تحريك المياه الراكدة بدل البقاء أسيراً للانتظارية والإكراهات اليومية وضيق فضاءات التعبير، علماً أن مفهوم المثقف لا ينحصر في صاحب الشهادة الجامعية أو من يستعمل المصطلحات المعقدة، بل هو كل إنسان يستثمر تجاربه وقراءاته ومعارفه في فهم الحياة وتطوير المجتمع بغض النظر عن مهنته، متى امتلك القدرة على التفكير المستقل والتعلم والانفتاح وتحويل المعرفة إلى ممارسة وموقف، فالمعيار الحقيقي يكمن في ما نفعله بما نعرفه ومدى قدرتنا على تحويل الوعي إلى مبادرة وأثر ملموس، خصوصاً وأن الثقافة هي ذاكرة المجتمع ومنظومة قيمه التي تحتاج دائماً إلى من يقرؤها ويجددها وينقلها من التراكم الصامت إلى فضاء الفعل والتفاعل دون ادعاء لامتلاك الحقيقة أو الوصاية على أذواق الناس، فالمثقّف الحقيقي يسائل الموروث دون تنكر وينفتح على الجديد دون استسلام ويمارس نقداً بعيداً عن الخصومة الشخصية أو الانتهازية، في حين أن تضرر الساحة الثقافية لا ينتج فقط عن ضعف الإنتاج بل عن ضيق الصدر بالاختلاف وتضخم الأنا ومنطق الاصطفاف الذي يحول الثقافة إلى تنافس على الظهور بدل الإبداع، مما يحتم الجمع بين الثبات في المبادئ والمرونة في التفكير وجعل الحقيقة أسبق من الولاءات الشخصية. وعند تأمل المشهد الثقافي بالجديدة، نجد رصيداً تاريخياً وتراثياً وطاقات جمعوية وفنية وإبداعية مهمة تشمل المسرح والشعر والقصة والقراءة والسينما والموسيقى، يشتغل بعضها بإمكانات محدودة وحماس يتجاوز الموارد المتاحة، غير أن هذا لا يعفي من طرح الأسئلة حول طبيعة الدينامية الثقافية ومدى استمراريتها وأثرها الحقيقي في وعي الجمهور وتنمية قدرات الأطفال والشباب بدل الاكتفاء بعدد الملصقات والصور، حيث يكمن التحدي في ربط المبادرات برؤية واضحة وتجاوز التشتت والموسمية وتطوير التعاون بين المؤسسات والجمعيات والمبدعين، فضلاً عن تقييم ما تحقق بموضوعية والانتقال من الإشادة إلى ثقافة التقييم ومن المبادرات المنعزلة إلى المشاريع المشتركة القائمة على معايير شفافة وواضحة، ولا يمكن فصل دور المثقف عن المؤسسات الحاضنة كالمكتبات ودور الشباب والمسارح والفضاءات الفنية التي ينبغي أن تتحول من بنايات موسمية إلى فضاءات يومية للتكوين والإنتاج والتجريب تتيح للشباب والمثقفين المشاركة الفعالة، إلى جانب ضرورة تحسين الوضع المادي للمبدعين وتوفير شروط الدعم العادل والتقدير المعنوي بعيداً عن استغلالهم لتأثيث البرامج فقط، كما أن استقلالية المثقف الحقيقية تكمن في احتفاظه بحقه في التفكير والنقد والتعبير دون أن تقيده الانتماءات، ودون أن تحول الإكراهات والمشاكل المادية دون الاستمرار في العطاء، متكاملةً مع دور الإعلام الثقافي المحلي في توثيق المبادرات ومواكبة التحولات وفتح المجال أمام النقد الجاد والآراء المتعددة، ولتجاوز حالة التشتت نحو الحركة والفعل، يتطلب الأمر خطوات عملية تبدأ ببناء رؤية ثقافية محلية مشتركة، وإرساء حوار منتظم، ودعم المشاريع المستمرة، وضمان تكافؤ الفرص والشفافية، والاستثمار في ثقافة الأطفال والشباب، وإحياء النقد الثقافي المسؤول، وتعزيز الشراكات، وتثمين التراث بروح معاصرة، واعتماد التقييم والمحاسبة الثقافية للبرامج وأثرها، فحاجة مدينة الجديدة اليوم هي لمثقف يخرج من دائرة النخبة المغلقة نحو المجتمع ويقترب من أسئلة الشباب ويعيد وصل الثقافة بالحياة اليومية بروح متواضعة ومنفتحة، شريطة أن يواكب ذلك بيئة مؤسساتية واجتماعية تؤمن بأهمية الثقافة وتترجمها إلى سياسات وممارسات، مما يفتح الباب أمام نقاش محلي مفتوح ومسؤول يتحول من طرح الأسئلة والجدل إلى الفعل الثقافي المشترك الذي يجعل الثقافة جزءاً أساسياً من الحياة اليومية ويضمن لحق المدينة والمثقف والجمهور في تنمية واعية ومستدامة.





