دار الطالبة بالجديدة.. حين يتحول الإيواء إلى مشروع لصناعة النجاح بقيادة رشيدة الكردودي.. تدبير يقوم على الانفتاح والمبادرة

دار الطالبة بالجديدة.. من فضاء للإيواء إلى ورش لصناعة النجاح والتمكين

حين يصبح الإيواء جزءاً من مشروع تربوي
النجاح الدراسي.. المؤشر الأكثر دلالة
الانفتاح على المجتمع.. شراكات تصنع الفرق
في مدينة الجديدة، لا تختزل تجربة دار الطالبة في توفير السكن والإطعام لفتيات يتابعن دراستهن بعيداً عن أسرهن، بل تتجاوز ذلك إلى احتضان مسار تربوي واجتماعي يضع الاستقرار الدراسي ومواكبة التلميذات في صلب اهتمامه.
ومنذ انطلاق خدمات الاستقبال والإيواء والتغذية والرعاية خلال الموسم الدراسي 2003/2004، بعد تأسيس المؤسسة سنة 2002، أصبحت دار الطالبة بالجديدة فضاءً يستقبل تلميذات، خصوصاً المنحدرات من المناطق القروية والمراكز المختلفة بإقليم الجديدة، ويوفر لهن ظروفاً تساعدهن على مواصلة الدراسة في بيئة أكثر استقراراً وأماناً.
وتوجد المؤسسة بشارع ابن تومرت بالقرب من ثانوية أبي شعيب الدكالي، بطاقة استيعابية تصل إلى 100 تلميذة، وتضم، إلى جانب مرافق الإقامة والتغذية، فضاءات للدعم والتقوية والأنشطة التربوية، وقاعة للمعلوميات والربط بالإنترنت، ومكتبة، إضافة إلى فضاءات للرياضة والاستراحة والمطالعة.
لكن أهمية دار الطالبة لا تقاس فقط بعدد المستفيدات أو حجم التجهيزات، وإنما بما يمكن أن تتركه المؤسسة من أثر في المسار الدراسي والشخصي للتلميذات.
وفي هذا السياق، برز خلال السنوات الأخيرة اسم رشيدة الكردودي، رئيسة الجمعية المشرفة على دار الطالبة، باعتبارها إحدى الوجوه التي ارتبطت بتدبير المؤسسة والعمل على تطوير حضورها وانفتاحها على محيطها الاجتماعي والمدني.
فالتجربة، كما تبدو من خلال أنشطتها ومبادراتها، تقوم على تصور يتجاوز مفهوم الإيواء التقليدي؛ إذ تحاول الجمع بين السكن والرعاية والمواكبة الدراسية والتربوية، مع توفير فضاءات تساعد التلميذات على الدراسة والاستفادة من الأنشطة الثقافية والرياضية والترفيهية.
وهنا تبرز فكرة أساسية: أن توفير السكن للتلميذة القروية لا يمثل غاية في حد ذاته، وإنما وسيلة لإزالة أحد العوائق التي قد تقف أمام استمرارها في التعليم.
فحين تجد التلميذة مكاناً آمناً للإقامة، وظروفاً ملائمة للتحصيل، ومواكبة تربوية ودعماً دراسياً، تصبح فرص الاستمرار في الدراسة أكبر، كما تخف عن الأسرة أعباء التنقل والسكن والتكاليف المرتبطة بتمدرس ابنتها بعيداً عن المنزل.
وتبقى النتائج الدراسية إحدى أبرز المؤشرات التي تستوقف المتابع لتجربة المؤسسة.
ففي يونيو 2026، احتفت دار الطالبة بتلميذاتها المتفوقات في امتحانات البكالوريا، في مناسبة حضرها آباء وأمهات وأولياء التلميذات، إلى جانب أطر تربوية وإدارية وفاعلين جمعويين وداعمين للمؤسسة. ووفق ما أوردته تغطيات صحفية محلية، قاربت نسبة النجاح 100 في المائة، مع تسجيل معدلات مرتفعة بين عدد من المستفيدات.
وبعيداً عن الأرقام، فإن قيمة هذه النتائج تكمن في كونها تعكس أهمية البيئة المحيطة بالتلميذة خلال سنوات الدراسة. فالنجاح الدراسي لا تصنعه مؤسسة واحدة، وإنما هو ثمرة تفاعل بين جهود التلميذة وأسرتها والمدرسة والأطر التربوية، فضلاً عن الوسط الاجتماعي الذي يوفر شروط الاستقرار والمواكبة.
ومن الملامح التي طبعت تجربة دار الطالبة بالجديدة أيضاً انفتاحها على محيطها، سواء من خلال المبادرات الاجتماعية أو الأنشطة الثقافية والتربوية أو الشراكات مع عدد من الفاعلين.
ففي سنة 2023، استفادت المؤسسة من مبادرة مرتبطة ببرنامج أوراش همّت صيانة الفضاء الأخضر للدار، وكانت المناسبة فرصة للاطلاع على مرافق المؤسسة وظروف اشتغالها.
كما انفتح الفضاء على المبادرات الثقافية، من خلال احتضان لقاءات لفائدة التلميذات، من بينها لقاء حول تجربة الكاتب المغربي المصطفى اجماهري، في إطار تعاون مع جمعية ذاكرة دكالة للحفاظ على التراث.
وفي أبريل 2024، استفادت مجموعة من نزيلات الدار من زيارة إلى النادي الملكي للفروسية بالجديدة، أتاحت لهن فرصة اكتشاف عالم الفروسية والاستفادة من أنشطة ترفيهية وتربوية، قبل أن تختتم المبادرة بأنشطة اجتماعية لفائدتهن. كما شهدت المؤسسة مناسبات اجتماعية من بينها تنظيم إفطار جماعي بمشاركة عدد من الفاعلين.
هذه المبادرات، على اختلاف طبيعتها، تعكس توجهاً نحو جعل دار الطالبة فضاءً مفتوحاً، لا يعيش بمعزل عن محيطه، بل يتفاعل معه ويستثمر ما يتيحه من إمكانيات وشراكات لخدمة المستفيدات.
في قلب هذه التجربة، تحضر رشيدة الكردودي، رئيسة الجمعية المشرفة على المؤسسة، التي ارتبط اسمها خلال السنوات الأخيرة بتدبير دار الطالبة والانفتاح بها على مختلف الفاعلين.
والحديث عن المسؤولية في تدبير مؤسسة اجتماعية من هذا النوع لا يتعلق فقط بالجانب الإداري، بل يرتبط أيضاً بالقدرة على المحافظة على استمرارية المؤسسة، وتعبئة الدعم، وفتح قنوات التعاون، وتحويل الشراكات والمبادرات إلى فرص يستفيد منها المستفيدون.
ومع ذلك، فإن إنصاف التجربة يقتضي التأكيد على أن النتائج التي تحققها دار الطالبة لا يمكن نسبتها إلى شخص واحد؛ فهي حصيلة عمل جماعي تشارك فيه الجمعية، والإدارة، والعاملات، والأطر التربوية، والتلميذات وأسرهن، فضلاً عن الشركاء والداعمين وفعاليات المجتمع المدني.
لكن القيادة تظل عاملاً مؤثراً في تحديد طريقة اشتغال المؤسسة، وفي خلق دينامية قادرة على استثمار الإمكانيات المتاحة وتحويلها إلى مبادرات وبرامج ذات أثر اجتماعي وتربوي.
ما تقدمه دار الطالبة بالجديدة يطرح، في العمق، سؤالاً أكبر من مجرد الإيواء: كيف يمكن للمؤسسات الاجتماعية أن تساهم في بناء مسارات النجاح، وليس فقط في توفير الحاجيات الأساسية؟
فالفتاة التي تلج المؤسسة بحثاً عن مكان مناسب لمواصلة دراستها، يفترض أن تجد فيها أكثر من سرير ووجبة؛ تحتاج إلى بيئة تشجعها على التعلم، وتساعدها على اكتشاف قدراتها، وتمنحها فرصاً للانفتاح على الثقافة والرياضة والمعلوميات، وتدفعها إلى بناء مشروعها الشخصي.
ومن هذه الزاوية، يصبح الاستثمار في الفتاة القروية استثماراً في المستقبل، لأن تمكينها من مواصلة الدراسة لا ينعكس فقط على مسارها الفردي، وإنما يمكن أن يمتد أثره إلى الأسرة والمجتمع.
ومهما كانت حصيلة التجربة، فإن العمل الاجتماعي يظل ورشاً مفتوحاً على التطوير. فالحفاظ على المكتسبات يتطلب استمرار الشراكات، وتنويع مصادر الدعم، وتقوية المواكبة الدراسية والتربوية، وتوسيع الأنشطة الثقافية والرياضية، والانفتاح أكثر على المبادرات التي تساعد التلميذات على بناء شخصياتهن واكتساب مهارات جديدة.
كما أن النجاح في البكالوريا، مهما كانت نسبته، ينبغي ألا يكون نهاية القصة، بل بداية لمسار آخر عنوانه التكوين، والجامعة، والاندماج المهني، والاستقلالية، وصناعة المشروع الشخصي.
وفي زمن أصبح فيه الحد من الهدر المدرسي ودعم تمدرس الفتاة وتعزيز تكافؤ الفرص جزءاً أساسياً من رهانات التنمية الاجتماعية، تقدم دار الطالبة بالجديدة نموذجاً يستحق المتابعة والنقاش، ليس باعتبارها مجرد مؤسسة للإيواء، وإنما باعتبارها فضاءً يمكن أن تتقاطع داخله الرعاية الاجتماعية مع التربية والثقافة والرياضة والشراكة المجتمعية.
وفي نهاية المطاف، تظل القيمة الحقيقية لأي مؤسسة اجتماعية مرتبطة بما تتركه في حياة المستفيدين من أثر. فحين يتحول السرير إلى استقرار، والاستقرار إلى تحصيل، والتحصيل إلى نجاح، والنجاح إلى طموح، يصبح الإيواء أكثر من خدمة اجتماعية… يصبح استثماراً في الإنسان وفي المستقبل.





