فضاء الجمعيات

إلى الذي :حين يُحذف سؤال مشروع… ويُختزل العمل الجمعوي في إرادة شخص واحد هل أصبح رئيس الجمعية مالكاً لها؟ حتى يصبح الكرسي أكبر من الجمعية

عندما يبتلع الكرسي الجمعية

حذف السؤال المطروح ليس دليلاً على قوة الرئيس، بل دليل على هشاشة الكرسي. التنظيم الذي يخشى الاستفسار تنظيم يُدار بالخوف لا بالديمقراطية.

هناك فرق كبير بين تدبير جمعية وبين امتلاك جمعية.وهناك فرق أكبر بين أن يكون الشخص رئيساً منتخباً لمكتب جمعوي وبين أن يتصرف وكأن التنظيم ملك شخصي، يقرر ما يُنشر وما يُحذف، ومن يسأل ومن يصمت، دون الرجوع إلى المكتب المسير أو احترام قواعد التداول الداخلي.

فالجمعية، من حيث الأصل القانوني، هي اتفاق بين أشخاص لتحقيق غاية غير ربحية، وليست ملكية خاصة لرئيسها أو لأي عضو فيها. وهذا ما يقرره الفصل الأول من الظهير الشريف رقم 1.58.376 المنظم لحق تأسيس الجمعيات.

ليست المشكلة دائماً في القرارات التي تُتخذ…بل في الطريقة التي تُتخذ بها.فحين يتحول موقع المسؤولية من تكليفٍ لخدمة الجمعية إلى وسيلة للتحكم في صوتها، تبدأ الحدود في التلاشي بين الرئاسة والملكية، وبين التدبير الفردي والعمل المؤسساتي.في العمل الجمعوي، لا أحد يجلس على الكرسي إلى الأبد، ولا أحد يحمل مفاتيح الجمعية في جيبه.الكرسي أمانة، والمكتب مؤسسة، والعضوية حق، والاختلاف ليس جريمة.لكن ماذا يحدث عندما يصبح القلم في يد واحدة، والقرار في يد واحدة، والحذف بقرار واحد، بينما يُطلب من الآخرين أن يكتفوا بالصمت والتصفيق؟هنا لا يعود الأمر مجرد اختلاف في وجهات النظر…بل يصبح الأمر متعلقاً بـ روح العمل الجمعوي نفسه.فالانضباط ليس أن تُغلق الأفواه،والوفاء ليس أن تُصفق لكل قرار،والاحترام ليس أن تتنازل عن حقك في إبداء الرأي،والديمقراطية ليست أن يتحول الرئيس إلى صاحب الكلمة الأخيرة في كل شيء.الرئيس مسؤول… وليس مالكاً.والمكتب مسير… وليس ملكية خاصة.والجمعية ليست شركة شخصية، ولا ضيعة عائلية، ولا صفحة تُدار بمنطق”ما أسمح به يُنشر، وما لا يعجبني يُحذف”الجمعية  القوية لا تخشى اختلاف أعضائها.بل تخاف من شيء واحد:

أن يصبح الصمت بديلاً عن النقاش، وأن تصبح المجاملة بديلاً عن الحكامة، وأن يصبح الأشخاص أكبر من الجمعية.

فحين يُحذف رأي لأنه مزعج، ولا يُناقش لأنه محرج، ولا يُعرض على المكتب لأنه قد يفتح باباً للأسئلة، فإن المشكلة لم تعد في الرأي المحذوف…بل في الثقافة التي جعلت الحذف أسهل من الحوار.وفي المقابل، لا يعني هذا أن كل ما يُكتب صحيح، ولا أن كل نقد مقدس، ولا أن كل عضو يملك الحق في تجاوز القانون أو الإساءة إلى الآخرين.هناك فرق بين النقد والتجريح، وبين السؤال والاتهام، وبين الاختلاف والتشهير.لكن علاج الخطأ لا يكون بإسكات الجميع.الرد بالحجة أقوى من الحذف، والتوضيح أقوى من المنع، والمؤسسة أقوى من الفرد.والجمعية التي تؤمن فعلاً بالديمقراطية لا تبحث عن أعضاء يرددون:نعم سيدي الرئيس ..بل تبحث عن أعضاء قادرين على القول “نختلف معك… ولكن نحترمك”وهذه هي قيمة العمل الجمعوي.أن نختلف دون أن نتخاصم.أن ننتقد دون أن نهدم.أن نسأل دون أن نتهم.أن نناقش دون أن نخون.
وأن نحتكم في النهاية إلى القانون الأساسي، والنظام الداخلي، وقرارات الأجهزة المختصة.أما تحويل الجمعية إلى دائرة مغلقة، يكون فيها القرار من الأعلى إلى الأسفل، والصمت هو معيار الانضباط، فذلك ليس حكامة…ذلك اختزال لجمعية كاملة في شخص واحد.ولذلك، يبقى المبدأ بسيطاً:لا تجعلوا الكرسي أكبر من الجمعية.لا تجعلوا المنصب أكبر من المسؤولية.لا تجعلوا الصمت دليلاً على الولاء.ولا تجعلوا الاختلاف تهمة.فالجمعية تبقى بعد رحيل الرئيس،
و تبقى بعد تغير المكتب،أما الأشخاص… فيمرون..الرئيس يمر… المكتب يتغير… لكن الجمعية يجب أن تبقى.فمن  يحتكر الجمعية  اليوم، قد يكتشف غداً أنه كان يحمي الكرسي لا الجمعية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى